عبدالسلام
06-14-2007, 05:45 AM
البروتوكول الثالث عشر
الحاجة اليومية إلى الرغيف – مسائل السياسة - المسائل الصناعية – فتن
الملهيات المسليات – قصور الشعب – "الصحيح صحيح بذاته" -
القضايا الكبرى.
الحاجة إلى رغيف الخبز كل يوم، تُكْرهِ الغوييم على أن يخلدوا إلى السكينة، ويكونوا خدَّاماً لنا طائعين. والعملاء الذين نختارهم منهم لخدمتنا في الصحف، سيقومون، بإيعازٍ منا، بمناقشة أي موضوع لا يناسبنا أن نعالجه نحن في بيانات رسمية نصدرها إلى الجمهور توّاً، لكننا، والنقاش دائر، حامي الوطيس في أخذ ورد، ما علينا سوى أن نقوم، بهدوء تام، بالإجراءات التي نراها ضرورية حسب رغبتنا، وهي ما يتعلق بموضوع النقاش الدائر، ثم نعرض المسألة على الرأي العام، كأنها أمر واقع قد فرغ منه. حينئذ لن يجرؤ أحد على أن يتقدم فيطلب إلغاء هذا الرأي الواقع، وتضيق الحلقة به وبأمثاله، عندما نكون قدَّمنا ما قدَّمنا بمثابة إصلاح وتحسين. وفوراً تقوم الصحف بدعوة الرأي العام واجتذابه إلى ما هو أشياء جديدة فاتنة، فتنصرف إليها الأذهان (ألم نكن قد عودناها اشتهاء الجديد المستحب الصالح؟) ثم ينبري لبحث الأمور الجديدة أشخاص ما وُهِبوا من مقسِّم الحظوظ إلا فراغ العقول، وهم الذين يغيب عنهم أن يفهموا أنهم ليسوا على شيء، وأعجز من أن يدركوا اللباب. فأمور السياسة إنما نحن وحدنا نحذقها، وقد هيأنا الله لها بفعل الأجيال الجديدة، فمن مبدعها غيرنا؟
تعلمون من كل هذا، أننا في طلبنا موافقة الرأي العام على ما نكون بسبيله، إنما نطلبه في الواقع لنسهل به عمل أجزهتنا، وقد تلاحظون أن ما نرغب في نيل الموافقة عليه، ليس عملاً من أعمالنا التي انتهى أمرها وفرغنا منها، بل ذلك هو مجرد كلمات رمينا بها وقولٍ قلناه، يتعلق بهذا أو ذاك من الأمور التجارية. ومن دأبنا دائماً أن نصرح ونعلن، أننا في مسارنا نعتصم بالأمل، ووراءه اليقين، إننا خير متوخين إلاّ خدمة المصلحة العامة.
ولكي نصرف أذهان الجمهور المزعج الشكس، عن مناقشة الأمور السياسية فإننا نجيء إليه بما ندعيه بأنه الجديد المختار، في باب الصناعات وما إليها. وندعه يخوض في هذا ويسبح ما شاء. واعتادت الجماهير ألا تستسلم إلى الاسترخاء، وتنفض يدها مما تعده من متاعب السياسة (مما عودناها معاناته من قبل، لنستغل ذلك في مكافحة حكومات الغوييم) إلا إذا توافر لها من الأعمال المناسبة الأخرى ما تعتاض به عما تتخلى عنه من شواغل السياسة، ولكي تبقى الجماهير في ضلال، لا تدري ما وراءها وما أمامها، ولا ما يراد بها، فإننا سنعمل على زيادة صرف أذهانها بإنشاء وسائل المباهج، والمسليات والألعاب الفكهة، وضروب أشكال الرياضة، واللهو، وما به الغذاء لملذاتها وشهواتها… والإكثار من القصور المزوقة والمباني المزركشة، ثم نجعل الصحف تدعو إلى مباريات فنية رياضية و من كل جنس. فتتوجه أذهانها إلى هذه الأمور وتنصرف عما هيأناه، فنمضي به إلى حيث نريد، فَيَسْلم موقفنا، وهو الموقف الذي لو أعلناه بارزاً مكشوفاً، تواً، بغير اصطناع هذه الوسائل الملهية، لوقعنا في التناقض أمام الجماهير. ثم أن الجماهير بحكم ما الفته واعتادته من قلة التفكير داخل آفاقها النفسية، ولا قدرة لها على الاستنباط، تراها شرعت تقلدنا وتنسج على منوالنا في التفكير إذ نحن وحدنا من يقدم إليها المناحي الفكرية... وطبعاً لا يكون هذا إلا على يد أشخاص لا شك في إخلاصهم لنا.
والدور الذي يلعبه الليبراليون والطوباويون، حملة الأحلام الخيالية، يكون قد استنفد غرضه عندما تقوم حكومتنا، وقد تمَّ لها الأمر. وريثما تظهر حكومتنا ويبرز كيانها، فإعمال هؤلاء تبقى مفيدةً لنا، ونحن نمدهم بما يوجه عقولهم إلى انتحال كل تافهٍ من العقائد يرونه جديداً، مطلوباً ومقبولاً، السنا نحن الذين نجحوا في توجيههم بعقولهم الرخيصة، توجيه التضليل والتعمية، حتى باتوا، ولا ترى فيهم واحداً قادراً على التمييز ومعرفة أن معنى كلمة التقدم يتضمن المفارقة والمناقضة في جميع الأحوال، حيث لا يكون الشيء كناية عن اختراع مادي، لأن الصحيح بذاته هو على وجه واحد ثابت، وليس فيه مكان لمعنى التقدم. والتقدم كفكرة، شيء فاسد، ومن شأنه أن يجعل الصحيح مبهماً غامضاً محجوب الرؤية، ورؤية الصحيح بجلاء ما خلقت إلا لنا، شعب الله المختار، حراس هذا كله.
وعندما ندخل مملكتنا، سيتولى خطباؤنا شرح هذه المسائل التي قلبت الإنسانية رأساً على عقب، وبالتالي جَرَّتْها إلينا. أهناك من يشك مقدار ذرة، أن جميع هذه الشعوب، نحن قد اقتدناها هذا الاقتياد المسرحي حسب مرادنا السياسي، ولم يُرَ فيها أحدٌ خطر بباله أو استطاع أن يدرك كيف سارت به قافلته هذه القرون العديدة.
البروتوكول الرابع عشر
دين المستقبل – العبودية في أحوالها المستقبلة – دين المستقبل مكتوم لا تصل إليه المعرفة –
الأدب الإباحي والأدب النثري العام في المستقبل
متى ما وَلَجنا أبواب مملكتنا، لا يليق بنا أن يكون فيها دينٌ آخر غير ديننا، وهو دين الله الواحد المرتبط به مصيرنا، من حيث كوننا الشعب المختار، وبواسطته ارتبط مصير العالم بمصيرنا. فيجب علينا أن نكنس جميع الأديان الأخرى على اختلاف صورها. فإذا أدّى هذا إلى ظهور الملحدين والإلحاد، على ما نرى اليوم، فذلك لن ينال من آرائنا شيئاً، والدور دور انتقال، بل يكون الإلحاد بمثابة إنذار للأقوام التي تُقْبِل على استماع تبشيرنا بدين موسى، وهو الدين الذي بوضعه الوطيد وكمال نظامه، قد أستمال جميع أمم العالم تخضع لنا وحينئذ نعلن أن ديننا هو الدين الذي يتوجه به الإنسان إلى الملأ الأعلى بلا واسطة. وفي هذه المرحلة من هذا الدور الانتقالي، سننشر على الناس من الفصول والمقالات والأبحاث ما يتبينون به الفوارق بين حكمنا الخيّر وأحكام العصور الغابرة، بالمقارنة. وبركات الاستقرار الذي هو حصيلة أخطاء حكومات الغوييم، فسنحصيها عليها ونحاسبها بأشد ما يمكن من العنت. وسنذيع على الملأ بشاعة تلك الأخطاء إلى حد يجعل الناس يؤثرون السكينة في دولة هم فيها عبيدٌ مستخدمون، على ما رأوا من فارغ حقوق الحرية التي عذّبت الإنسانية واستنفدت قوة الوجود الإنساني، وهي القوى التي استغلتها عصابات دهماوية ضالة، مغامرة، لم تعرف من حقيقة أمرها شيئاً. وتغيير أشكال الحكومات فيما مضى، وهو أمرٌ طالما دفعنا الغوييم إليه وأغريناهم بإتيانه، لمَّا كنا نعمل على دكّ كيان الدول، كان من نتيجته حتى الآن انه نَهَك طاقة الشعوب واستنزف عافيتها حتى أمست مذعنة لتحمل أي مشقة في ظل حكمنا، وهي ترى هذا خيراً لها من العودة إلى معاناة العهود السابقة في ظل حكوماتها التي قد انطوت.
وفي الوقت نفسه، لن ننسى أن نندّد بالأخطاء التاريخية التي ارتكبتها حكومات الغوييم، الأخطاء التي تعذبت بها الإنسانية دهراً طويلاً لعجز تلك الحكومات عن أن تفهم وتعي معنى أيّ شيءٍ من الخير المحض للإنسانية، فظلت (تلك الحكومات) راكبةً رأسها وراء مطالبها القائمة على الشهوات، والمكاره، آملة أملاً فارغاً أنها ستحصل على البركات الاجتماعية، ولم تلاحظ قط أن تلك المطالب كان من شأنها أن تزيد الشر وبالً وسوءاً، دون أن تحقق شيئاً من تحسين وضع العلاقات العامة بين البشر وهذه العلاقات هي أساس حياة الإنسان.
وما تنطوي عليه مبادئنا من طاقة كامنة، وما في قواعد عملنا من قوة، كل هذا ستنجلي محاسنه بطريقة واحدة، وهي أن نعرض ذلك ونبيّنه للناس ونشرحه لهم، فيظهر خيره للعيان بالمقابلة والمقارنة، مع الأنظمة السابقة التي فَنِيَت واضمحلت.
وسيتولى فلاسفتنا بالشرح والتوضيح، الكشف عما تنطوي عليه معتقدات الغوييم الدينية من عوار. غير أنه لن يسمح بأن يطرح ديننا للبحث ابتغاء الوقوف على مقاصده وغاياته الصحيحة، إذ هذا علمه محصور بنا، مقصور علينا وحدنا، ونحن دائماً حريصون على ألاَّ نبوح بأسراره لغيرنا.
وفي خلال القرون التي تنعت بقرون النور والتقدم، وَضَعْنا في أيدي الناس ضروباً من مادة الآداب المنشورة بالطباعة، هي غايةٌ في التفاهة والقذارة والغثاثة. وبعد أن نقيم مملكتنا فهذه الأنماط من مادة الأدب ستظل على حالها ساريةً مسراها، نروّجها ونحثّ عليها، والغاية من ذلك أنه عندما نأتي نحن بأنفس طراز من محاضراتنا وخطبنا وأبحاثنا وبرامج أحزابنا، ولك ذلك رائع، يوزع من قبل مقاماتنا العالية، حينئذ يدرك الغوييم إدراكاً مذهلاً مدى الفرق العظيم بين ما أعطيناهم، وما كانوا عليه. وسيقوم حكماؤنا، المهيأوون لقيادة الغوييم، بوضع المحاضرات ورسم الخطط والمشروعات، وكتب المذكرات وصنوف المقالات، مما نستعمله نحن لفائدتنا، فيسري أثره إلى عقول الغوييم تتلقح به وتستضيء بنوره بالاقتباس منه، إستدراراً للمعارف، على ما قررت مناهجنا.
البروتوكول الخامس عشر
الانقلاب أو (الثورة) يعمّ العالم في وقت واحد – الإعدام – حظ ماسون الغوييم في المستقبل – أسرار السلطة – الإكثار من المحافل الماسونية – الهيئة المركزية الحاكمة من حكماء الماسونية – الأساليب المتحايلة – الماسونية وقيادتها جميع الجمعيات السرية – استحسان ما يقوله المغرورون – الجماعة المتضامنة – الضحايا – إعدام حتى من هم ماسون – سقوط هيبة القوانين والسلطة – مكاننا بصفتنا الشعب المختار – ميزة القوانين في الإيجاز والوضوح في حكومة المستقبل – طاعة الأوامر – العقوبة لمن يسيء استعمال القانون – صرامة العقوبة – تحديد سن صرف القضاة من الخدمة – الليبرالية عند القضاة والسلطة – احتشاد أموال العالم – السلطة المستبدة الماسونية – حق الاستئناف في المستقبل – مظهر الأبوة في حكم المستقبل – حق القويّ هو الحق الوحيد ولا غيره – ملك إسرائيل هو الأبوّة للعالم بأسره
متى ما أنجزنا إقامة جولتنا بالانقلابات والثورات المعدة في كل مكان، لتقع في يوم واحد موقوت، بعد أن يكون أمر الحكومة قد بلغ غاية التدلي والتفاهة، واتضح ذلك ولا سبيل إلى إنكاره (وما ينقضي من الوقت من يومنا الحاضر حتى يوم تحقيق أهدافنا المقبل قد يمتدُّ إلى قرن) فإننا سنُعنى بعد ذلك بمكافحة أي شيء من حياكة المؤامرات علينا، وسنذبح بلا رحمة جميع الذين يتناولون السلاح (بأيديهم) ليقاوموا الانضواء إلى مملكتنا. وكل نوع من المنظمات الجديدة يؤلف بعد ذلك ويكون من الجمعيات السرية، يعاقب القائمون به بالموت. وأما الجمعيات القائمة اليوم، وهي معروفة لدينا، وتعمل في خدمتنا كشأنها في الأمس، سنجرّدها من سلاحها، ونطرح رجالها في المنافي في القارات البعيدة من أوروبا. ثم بعد ذلك نمضي، ومعنا ماسون الغوييم الذين تحنكوا بالعمل، فنالوا الخبرة والمعرفة، كما يكون معنا أيضاً أمثالهم، ممن نعفو عنهم، لسبب ما، عفواً يبقيهم دائماً خائفين، مترقبين المفاجآت، يتوقعون النفي. وسنسنُّ قانوناً يجعل جميع الأعضاء في الجمعيات السرية السابقة معرّضين للنفي في أوروبا، وأوروبا حينئذ مقرّ حكمنا.
وستكون مقررات حكومتنا باتة، لا استئناف لها.
وأما جمعيات الغوييم السابقة التي زرعنا فيها بذور التفرقة، والمخاصمة، والتنابذ، والانشقاق، فَنَمَتْ تلك البذور وامتدت جذورها، فالطريقة الوحيدة لإقامة النظام في هذه الجمعيات هو اتخاذ تدابير صارمة تتجلى فيها سطوة السلطة بكل وضوح. ولا نبالي بالضحايا في هذا السبيل، فإن تضحيتنا هنا بهؤلاء إنما هي لخير المستقبل، وتحقيق هذا الخير للمستقبل، ولو شُرِيَ بالضحايا, ينبغي أن يكون الواجب المطلوب من كل حكومة تعترف بأن تبرير وجودها، لا يتمّ بأن يكون لها حقوق وكفى، بل لا يتم إلا بأن يكون عليها أيضاً واجبات والتزامات. وأكبر ضمان لوثاقة الحكم الجديد في أوضاعه، هو إظهار عزة الدولة وهيبتها، كأنها تعتصب هالةً من نور، وهذه الهالة مجلاها ومظهرها جبروت القوة، ويدلُّ على ذلك الشعار الذي في جبينها، وهو رمز عصمتها المستمدة من أسباب علوية - يوم اختارنا الله. والأوتوقراطية الروسية إنما كانت على هذه الصفة حتى وقتٍ قريب، وهي العدو الوحيد الرهيب رأيناه في العالم، ولا ندخل في هذا الحساب الآن، البابوية. واحفظوا في بالكم على سبيل المثال ما وقع في إيطاليا، فإنها، وهي سابحة في الدم، لم تستطع أن تمسَّ ولو شعرةً من رأس صولاّ وهو الذي أسال تلك الدماء. وتمتع صولاّ بصولة عارمة فعلاً وتأله، لمًّا ملأ عيون الناس روعة السطوة، مع أن الشعب كان قد رأى منه الويل والعذاب، وانتثر من بين يديه مقطعاً إرباً إرباً. لكن لمًّا عاد صولاّ إلى إيطاليا عودة المقحام الجريء، أفرغت عليه عودته هذه بهاءَ العظمة، ووشاح القدرة التي لا تُغْلب. فأمسى الشعب أخوف من أن يومئ إليه إيماءً، وأصل ذلك عند صولاّ الإقدام وقوةُ العقل.
وفي خلال الوقت الذي ينقضي من الآن إلى أن نقيم مملكتنا، سنسلك الطريقة المخالفة لهذا: فإننا سنخلق ونكثر من المحافل الماسونية الحرة في جميع بلدان العالم، لتمتصَّ إلى جوفها الذين يمكن أن يغدوا من ذوي النباهة والشأن، أو هم هكذا في حاضر حالهم، في تعاطي الشؤون العامة. وفي هذه المحافل نجد طِلبتنا من مكامن التجسس الرئيسية وأسباب نشر نفوذها. وهذه المحافل سنضعها تحت إجارة مركزية معروفة لنا وحدنا، وأما غيرنا فلا يدري من ذلك شيئاً مطلقاً. وهذه الإدارة المركزية إنما تؤلَّف من حكمائنا. ويكون لها ممثلون ينطقون باسمها، وهم بمثابة ستار يغطّي الإدارة المركزية الماسونية التي منها تصدر التعليمات، والشارة وكلمة السر. وفي هذه المحافل، نُحكم رَبْط العُقدة التي تضم أُنشوطتها جميع العناصر الثورية والليبرالية. وهذه العناصر آتية من مختلف طبقات المجتمع. وعلى هذا الوجه، فإن أوغل المؤامرات السياسية في دهاليز السرية وأوكارها، يكون عندنا خبره، ونحن المحركون لذلك بأيدينا المشيرة من وراء ستار من أول يوم تولد. وينضوي إلى عضوية المحافل، جميع العملاء للبوليس الدولي العام، والبوليس المحلي في كل دولة، إذ خدمة هؤلاء لا يعتاض عنها بسواها، لأنهم يستطيعون استعمال تدابيرهم الخاصة إزاء المتمردين، وليس هذا وكفى، بل أيضاً بوسعهم أن يكونوا ستراً على نشاطنا بما يضعون من تأويل وتفسير ومزاعم ومدعيات، في حالات انتشار القلق والتذمر وما أشبه.
وأما أولئك الأفراد من طبقة الشعب، الذين يسارعون طوعاً من تلقاء أنفسهم للانتماء إلى الجمعيات السرية، فهم القوم الذين يعيشون بمقاييس ضئيلة على قدر أفهامهم، مستندين على القليل الذي عرفوه واكتسبوه من تعاطيهم أعمالهم المختلفة، وكل واحد منهم هو ابن صنعته، فهؤلاء على الجملة والغالب خفاف العقول، ولا نجد صعوبة في معاملتهم واستعمالهم عند الاقتضاء كأدوات تصلح لتعطيل سير الأجهزة التي هي من صنعنا. فإذا طرأ اضطراب على هذا العالم، فمعنى ذلك أننا نحن الذين رأوا إيقاع هذا الاضطراب لتقوم الأمم على بعضها بعضاً، وتهدم كيانها المتضامن المنيع. ولكن إذا ظهرت في وسط العالم مؤامرة، فعلى رأس تلك المؤامرة لا يكون أحد سوى من هو في خدمتنا وأشدهم إخلاصاً لنا. فطبيعيُّ، إذن، أن نكون متولين توجيه النشاط الماسوني، لأننا نعلم أين هي الغاية من التوجيه، والهدف المقصود من كل نشاط، بينما الغوييم يجهلون من هذا كل شيء، ولا يتصورون النتائج حتى في أبسط أشكالها، وشأنهم المعتاد أن يبادروا إلى إظهار الاعتداد بالنفس والتباهي والازدهاء بآرائهم الخاصة، إلى انغماسهم في مصالحهم الفردية، دون أن يلاحظوا على الأقل أن محض الفكرة التي يدورون حولها ليست من بضاعتهم في الأصل، وإنما وَرَدَتْ عليهم منا، ألقينا بها وهم لا يَدْرُون.
والحافز لأفراد الغوييم في انتمائهم إلى المحافل، عادة حب الاستطلاع ودافع الفضول، أو أملاً أن ينتاشوا من المجتمع لقيمات من حب الظهور. وفصيل ثالث منهم، أمنيته أن يقف فيتكلم في الجمهور ليستمعوا إليه، وهذا ليس عنده إلا ترهات. فهؤلاء جميعاً متعطشون إلى أن يستمتعوا بلذة القول أنهم نجحوا، واستحسن الناس ما قالوا. ونحن في هذا على غاية الجود والكرم. والسبب الذي من أجله أننا نمنُّ عليهم بهذا النجاح والاستحسان، هو أن نسخّرهم ونستغلّهم من ناحية غرورهم المطبق، وهذا كله مما يحملهم على أن يهضموا بلا شعور، آراءنا وأفكارنا، ويتبنوها دون أن ينتبهوا إلى أن ذلك هو منا. ومن شدة هذا الغرور فهم عديمو الاحتراز, وليس لهم صحة تقدير، فيتظاهرون عن ثقة تلابسهم، بأن هذا النجاح كله هو من بنات أفكارهم ومبتكراتهم، وهم أكبر من أن يقتبسوا، أو يقترضوا مثله من سواهم. ومن السهل جداً، من هذه الناحية، أن تجرَّ، حتى أعقلهم، إلى موقف السذاجة، دون أن يشعر بأنه منساق مجرور، وهو متجاوب مع غروره. وسَهْل كذلك أن تميل بهم الميل الذي تريد، منتزعا قلوبهم من بين حنايا صدورهم، وذلك لأقل فشلٍ يلاقونه، حتى ولو كان هذا الفشل لا يزيد خيبتهم في أنهم لم يلاقوا مقدار الاستحسان الذي كانوا يتوقعون، فيستذلّون ذلَّ العبيد من أجل أن يعود إليهم ما يأملون……وجماعتنا ينبغي ألا يهمهم شيء من مقدار هذا النجاح الذي يشغل بال الفرد من الغوييم، إلا إذا رأت جماعتنا أن من المصلحة لها، المسايرة في تنفيذ المسألة المطروحة، مع العلم أن الغوييم في سبيل التلذذ بالنجاح الذي إليه يتوقون، يضحّون بكل مرتخصٍ وغال. وهذه الحالة عن الغوييم تساعدنا كل المساعدة، ونحن نعالج تعيين مكانهم من الاتجاه المطلوب. فهم نَمِرَةُ واسودٌ في الظاهر، أما نفوسهم فنفوس خرفان، والرياح تلعب برؤوسهم دائماً تندفع بهم هذه الناحية أو تلك. وقد أشربناهم، عن طريق إركابهم حصاناً من قصب كحصان الصبية اللاعبين في الساحة، فكرةَ اندماج الفرد في المجموع لتحصل من ذلك الوحدة الرمزية للجماعة..ولم يفطنوا، ولن يفطنوا، إلى أن هذا الحصان الذي أركبوه فامتطوه بازدهاء وخيلاء، ما هو إلا ابتعاد واضح من مجرى النواميس الطبيعية، إذ الطبيعة قد أوجدت من أول يوم الكون، كل وحدة من وحداتها تختلف عن الأخرى، والغاية من ذلك إنشاء الفردية.
فإذا كنا قد استطعنا أن نورد الغوييم كل هذه الموارد من التضليل لبلاهتهم وانغلاق عقولهم، أفليس هذا برهاناً ساطعاً على ما انتهت إليه أذهانهم من ركود وتخلّف، إذا قابلتم الحال بيننا وبينهم؟ وهذا ما يضمن لنا النجاح.
ولعمري، ما كان أحكم سلفنا في الأزمنة الغابرة لما قالوا أن في طلب كبار الغايات لا يقام وزن للوسائل والضحايا..وما بنا من حاجة لنحسب ما تحمله الغوييم من ضحايا لحفظ بذرة حيوانه والاحتفاظ بسلالته، مع أن ضحايانا نحن لم تكن بالقليلة. ولكن من أجل ما تحملوا هم، فنعطيهم اليوم من المكان والفسحة على وجه الأرض ما لم يتخيلوه حتى في أحلامهم. وأما عدد ضحايانا القليل من مجموعنا، فقد حَفِظَ لنا قوميتنا وحماها من الاندثار.
الموت حق على كل حيّ. فيكون خيراً وأفضل أن نقرّب الآجال على الذين يعترضون سبيلنا، من أن نقرّب آجالنا، نحن الواضعين لهذه الخطة. وإننا مستعدون أن نعدم الماسوني إعداماً يخفى خبره عن الناس جميعاً، ما عدا الأخوة الماسونية، ولا يدري بهذا أحد حتى المحكوم عليه نفسه، فيظل على جهل من مصيره المدبَّر له حتى يلقاه، فيموت بالوقت الذي عين له كأنه مات ميتة طبيعية من مرض عادي…..والأخوة الماسون أنفسهم، إذا ما علموا بذلك فلن يقووا على الاحتجاج. وبهذه الطريقة نكون قد اقتلعنا من وسط الماسونية الجذور التي قامت تشغَب علينا. وبينما نُعنى بنشر الليبرالية في آفاق الغوييم، لينطلقوا يفعلون ما يريدون، ترانا جِدّ حريصين على جعل شعبنا وعملائنا في حالة الخضوع لنا دون أي اعتراض.
ولا يغيب عنا إننا بفعل هيمنتنا على الغوييم، استطعنا أن نجعل تنفيذ القوانين عندهم يلزم الحد الأدنى، ذلك لأن هيبة القوانين قد نسفتها نسفاً التفسيرات الليبرالية، فعقـَّدتها، وتركتها كومة من الإبهام. وأهم القضايا وأعلاها شأنا، يتولى القضاة الفصل فيها على ما نوحي به إليهم، وينظرون في المسائل على هذا النحو أيضاَ، في إدارة شؤون الغوييم، وهذا طبعاً على يد أشخاص هم أدواتنا باطناً، لكنهم في الخارج وعلى عيون الناس - لا صلة بيننا وبينهم، ويتم تبليغ ما يراد تبليغه بمقالات الصحف وما أشبه. وحتى أعضاء مجلس الشيوخ، وكبار رجال الإدارة، فإنهم يتقلبون نصائحنا بالرضى؛ وعقل الغوييم لخشونته المطلقة، تراه عاجزاً عن التحليل والملاحظة، وهو بعد ذلك أعجز عن رؤية أقرب النتائج للحلول التي يضعها ولا يتصور ما تؤدي إليه.
ومن هذا الفرق في الخصب العقلي بيننا وبين الغوييم، يتضح ما اختصنا الله به من مزايا منذ شاء اتخاذنا الشعب المختار، ويتجلى أيضا ما اختصنا به من درجة عالية في سجية الإنسانية وأما الغوييم فلهم العقل الراكد. ولهم عيون ولكنهم لا يبصرون شيئاً مما أمامهم، وهم لا يخترعون، ولا يبدعون (إلا ما عسى أن يكون في باب الاختراعات المادية) ومن هذا يعلم أن الطبيعة نفسها هي التي خطت مصيرنا لقيادة العالم والسيادة عليه.
ومتى ما جاء الوقت لنمارس الحكم العالمي علناً، ونقبض على زمامه في وضح النهار، باسطين للناس بركاته، فإننا سنفرغ كل القوانين في قوالب جديدة، موجزة، واضحة، متينة التركيب، لا تحتاج إلى تفسير أو تأويل، بحيث يكون بوسع أي فرد أن يفهمها بسهولة، والخصيصة الأولى الملازمة للنصوص، هي بيان وجوب الطاعة للقانون. وهذه القاعدة الأساسية تنزل المنزلة الكبرى من الخطورة، فتتلاشى النقائص والقباحات، ويمحى سوء الاستعمال، لما هناك من مسؤولية يحاسب عليها، وعين السلطان العليا رقيبة على كل شيء. والخارجون على القانون ينالهم العقاب الصارم، ولا مجال لأحد لكي يفرض تجربته الشخصية عن طريق القانون، وسنحيط سير الإدارة برقابة فاحصة يقظة، إذ على هذا يتوقف سير أجهزة الدولة كلها في مطلق شُعَبِها ودوائرها، لأن الخلل إذا وقع هنا في الإدارة، تفشَّى في جسم الدولة بلا استثناء. لذلك لن تمر حادثة واحدة من حوادث المخالفات إلا ويتناول العقاب مرتكبها.
أما إخفاء الجريمة والذنب، والتواطؤ بين القائمين بالإدارة الحكومية، كل هذا الشر لن يكون له وجود، بعد أن تُنزِل العقوبات الصارمة بمن يستحقها في البداية، فتكون في ذلك عبرة كافية. وهالة سلطتنا المشعة بالنور، تقتضي هذا، أي العقوبات العنيفة على أقل الذنوب، لتظلًّ الهيبة القانونية على جلاها، لا تعلق بها شائبة. ومرتكب الذنب قد يلقى من الجزاء فوق ما يستحق، ومَثَلُه في ذلك مَثَلُ الجندي، لكن ميدانه العمل في الخدمة الإدارية لمصلحة الدولة، مبدأً وقانوناً، وقد يُوَلَّج أن يمسك بعنان المركبة العامة ويكون سائقها، فلا يجوز له أن ينحرف بها عن جادة الطريق، فتنزلق وتهوى بمن فيها، وما السبب في ذلك إلا ما في نفس السائق من غاية خاصة، ومثل ذلك يقال في القضاة: فقضاتنا سيعلمون أنهم إذا انحازوا بعامل الرحمة والشفقة، فيكونون بهذا قد خالفوا قانون العدالة، القانون الذي وضع لتقديس شخصية الفرد، عن طريق عقاب المجرم على ما ارتكبه من جرم، وليس موقف القاضي هنا أن يظهر ما في صدره من عاطفة حنان ورأفة، إذ هو هنا لإجراء الحكم فحسب، لا للميل إلى ما في نفسه. فإذا كان للقاضي عواطف وميول خاصة، فليمارس ذلك في شؤون حياته الخاصة، لا في ساحة القضاء، حيث القضية هنا هي تعليم وإرشاد لخير الحياة الإنسانية.
والقائمون بأعمال الجهاز القضائي يُصرَفون من الخدمة عند بلوغهم سن الخامسة والخمسين. وأسباب ذلك أولاً لأن الذين تقدموا في السن، يجمدون على آراء يخالطها تحيز ومحاباة، فيصعب عليهم التخلي عن طبعهم إلى ما هو أصلح. ثانياً، أن هذا الصرف من الخدمة يعطينا الفرصة لتحقيق المرونة في تغيير الموظفين وانتقاء عناصر جديدة أطوع، فالذي يودّ أن يشغل عملاً ما، عليه أن يستحقه بالطاعة. وعلى الجملة، فإننا سنختار قضاتنا من الذين آمنوا كل الإيمان بأن الواجبات المطلوب منهم القيام بها هي العقاب على الجريمة، وتطبيق القانون، لا مجاراة الأهواء الليبرالية، على حساب الآلة التهذيبية في الدولة، على نحو ما يفعل الغوييم اليوم. ثم إن صرف الموظفين أو تغييرهم، من شأنه أن يذهب برابطة تكتل الموظفين الذين يجمعهم التضامن المسلكي وهم رفقةُ صعيدٍ واحد. وفائدة أخرى أيضاً من الصرف: وهي رَبْط عمال الدولة جميعاً بوثاق مصالحها، وعلى هذه المصالح يتوقف مصير الموظفين. وأما عنصر الشباب من قضاتنا فيكمل استعدادهم لتولي القضاء بإخضاعهم لدورات تدريب يفهمون منها استحالة الميل مع المذنب، إذ يتجلى لهم ما يكون وراء هذا من إفساد لأوضاع الرعية فيما بين بعضها بعضاً.
وفي أيامنا هذه، نرى قضاة الغوييم ينحرفون عند النظر في كل نوع من أنواع الجرائم، فلا يفهمون فهماً سليماً معنى ما عهد إليهم فيه، ذلك لأن حكامهم عند اختيار القضاة لا يهمهم أن يكون القاضي متشبعة نفسه بحب التجرد ليستطيع موازنة الأمور بحكمة وإصابة. وكما تُطلِقُ الحيوانات صغارها لترعى حيث تريد، كذلك يفعل الغوييم بتسليط الموظفين على المصالح والأعمال، ليعتصروا منها ما يشاءون لأنفسهم، وهذا هو السبب في ما يحل بحكوماتهم من خراب، فهم في الواقع يخربونها بأيديهم، عن طريق عمالهم.
ولا بأس أن نقتبس درساً آخر من نتائج هذه الأعمال لخير حكومتنا.
إننا سنطارد الليبرالية من جميع المناصب الحسّاسة الخطيرة، وعلى هذه المناصب يتوقف تدريب العمال الثانويين اللازمين لهيكل الدولة. وهذه الوظائف لا يشغلها إلا من كَمَلَ تدريبهم ليعملوا في الإدارة، وإذا قيل من باب الاعتراض على هذا، أن صرف الموظفين من الخدمة على هذا الوجه، يحمّل خزانة الدولة عبئاً مالياً، أجبت، أولاً بأن المصروفين من الخدمة سيهيّأ لهم من الأعمال في المصالح الخاصة خارج الحكومة ما يعتاضون به عما فقدوه من مرتب. وثانياً، عليّ أن ألفت النظر إلى أن جميع أموال الدنيا ستكون محتشدة في أيدينا، فلا تكون حكومتنا في النهاية هي التي تخشى أن تتحمل هذه النفقات.
وسلطتنا المطلقة تكون في مجرى هذه الأمور كلها على منطقٍ آخذٍ بعضه برقاب بعض، اطرادا وانسجاماً، فيتلقى الشعب أوامرنا الباتَّة الصفة في كل قضية، بغاية الرضى والقبول، وينفذ إرادتنا إلى غايتها دون اعتراض، ولن نقيم وزناً لأي شكوى أو تململ، فإذا ظهر شيء من هذا فنسحقه توّاً، ونستأصله بالمجازاة الصارمة.
وسنلغي حق الاستئناف لصاحبه. وإنما نجعله في خيارنا – تحت نظر الحاكم، إذ لا ينبغي أن ندع الاعتقاد يسري في الأذهان أن لا طريق لتصحيح الخطأ الذي يقع فيه القاضي، والقاضي هو من قِبَلِنا، ونحن أقمناه ليقضي في الناس. فإذا ما وقع في هفوة، فنحن برفع القضية من تلقاء أنفسنا إلى مراجعها العالية، ولكننا نأخذ القاضي بعقاب عنيف، ليكون أمثولةً وعبرة، وحتى لا يقع في الخطأ مرةً أخرى…وعليّ أن أكرّر أننا سنكون محيطين علماً بكل ما يجري في الجهاز الإداري إحاطة تامة، لنأمن العثرات، فيطمئن الشعب إلى حكمنا ويسكن، ومن حقه أن يطلب من الحكومة الفاضلة موظفاً فاضلاً.
وستكون حكومتنا متشحة بمظهر الوصاية الأبوية على الشعب، ويتمثل هذا في شخص الحاكم الأعلى، وسيدرك شعبنا ورعيتنا هذا الحنان الأبوي في كل مصالحهم وأعمالهم، وفي مجرى كل العلاقات الشعبية المتبادلة بين واحد وآخر، ومجرى العلاقات التي بين الشعب والحاكم. وهذا ما سيشربهم العقيدة أنهم لا غنى لهم عن استظلال ظل هذه الوصاية الأبوية، إذا شاءوا أن يعيشوا بسلام وهدوء، وسيعترفون بفضائل الأوتوقراطية في حاكمنا، بإجلال كاد يكون تأليهاً، ولا سيما عندما يقتنعون بأن الذين نصبناهم عمّالاً عليهم من عمَّال الدولة، لن يتبعوا الهوى أو آراءهم الخاصة، بل دأبهم أن ينفّذوا إرادة صاحب السلطة العليا كما تملى عليهم. وكذلك سيسر الشعب ما أحدثناه له من تنظيم أمور حياته ورعاية مصالحه، فصنعنا له ما يصنع الأب الحكيم نحو أولاده من تربيتهم على حب الواجب والطاعة. فإن شعوب العالم من جهة وقوفها على أسرار دولتنا، كانت عبر التاريخ لكه بمثابة القاصر الذي لم يبلغ الرشد، وكذلك كانت حكوماتها.
وكما تعلمون، فإني أبني سلطتنا الفردية المطلقة على قاعدتي الحق والواجب والحق هو الإجبار على تنفيذ الواجب كما رسمته الحكومة باعتبار الأبوّة التي لها على الشعب. فلها حق القوي تستعمله في توجيه الإنسانية نحو هذا النظام الذي حدّدته الطبيعة وعرفته بأنه الخضوع. وكل شيء في العالم معناه الخضوع، وإذا لم يكن هذا الخضوع للإنسان فهو للأحوال والظروف، أو للقوة الذاتية في الشيء نفسه، وعلى كل اعتبار يكون الخضوع للقوة التي تسيطر عليه. ولذلك نقول إننا سنكون نحن هذه القوة المسيطرة من أجل الخير.
ولا نتردّد في تضحية الأفراد الذين يخالفون النظام القائم، ففي العقاب الصارم ينزل بالمخالف ما يعطي درس التعليم.
ومتى ما وضع ملك إسرائيل على رأسه المقدس التاج الذي تقدمه إليه أوروبا، فإنه يصبح أباً للعالم، والضحايا الذين تقضي المصلحة بتضحيتهم، ولا مهرب من هذا، لن يماثل عددهم عدد الضحايا الذين سقطوا في خلال القرون الماضية بسبب تهالك حكومات الغوييم على الأباطيل والتباري من أجل الأبهة الفارغة، وسيكون ملكنا على اتصال دائم بشعوبه، ملقياً عليهم من على منبره الخطب التي في ساعة إلقائها يتردد صداها في العالم كله.
البروتوكول السادس عشر
تعقيم برامج التعليم في الجامعات – ماذا يحلّ محل الكلاسيكيات – التدريب والمهن – التبشير بسلطة الحكم الجديد في المدارس – إلغاء حرية التعليم – النظريات الجديدة – استقلال الفكر – التعليم على أسلوب "دروس الأشياء"
إنه كلي يتم لنا تخريب جميع القوى التي تعمل على تحقيق الانسجام الفكري، والتضامن الاجتماعي، ما عدا قوانا نحن، علينا أن نبدأ بتفكيك حلقات المرحلة الأولى من هذا وهي الجامعات. والطريقة، أن ننقض وننفض أساليب التعليم من أساسها، ونُفْرِغَها في أساليب جديدة وتوجيه حديث. والأساتذة والقائمون بالوظائف التعليمية، يُهيّأون تهيئةً خاصة وفق برامج سرية عملية، ويُقيدون بها بشدة، حتى لا يسوغ لأحد منهم أن يحيد عنها قيد شعرة. ويدقق في اختيارهم وانتقائهم بكل عناية، فإذا ما شرعوا في أعمالهم باتوا ومستندهم الحكومة، ولا انفكاك لهم بعد.
وسَنخْرج من مادة التعليم الجامعي دستور الدولة وكل ما يمت إليه وإلى المسائل السياسية بصلة. غير أن هذه الموضوعات يقصر تعليمها على بضع عشرات من الذين يُختارون من الطلاب اختياراً لتفوقهم في الذكاء، وبهذا تقف الجامعات عن أن تقذف إلى العالم كل سنة بطائفة بعد طائفة من المخنثين الذين ينطلقون بخفةٍ لتلفيق المخططات الدستورية ورسم المشروعات الهوائية، راقصين حول هذا كأنهم على مسرح في رواية مضحكة أو مأساة، يتلهون بمناقشة موضوعات هي فوق مداركهم، ولم يسبق لآبائهم أن حذقوا شيئاً من دقة الفكر.
وتعريف الجمهرة من الناس تعريفاً سيئاً ملتوياً، بشؤون الدولة ومسائلها، وهم يأخذون هذا بعقول فَجَّة، أمرٌ لا ينتج عنه سوى العنصر الذي يركبه الهوس والخيال، يرافقه المواطن الرديء السيرة، ويسهل عليكم ملاحظة المثال على هذا، في ما برونه من نتائج التعليم الشائع اليوم في العالم بين الغوييم. فالواجب الذي علينا هو أن ننقلهم إلى حيّز تعليمٍ آخر، يتعلمون فيه جميع المبادئ والقواعد والأصول، مما كان رائعاً في نسف نظامهم. ولكن متى ما تسلمنا نحن زمام الحكم والسلطة، ستزيل من المناهج كل موضوع شائك مقلق، ونجعل من الشباب شباباً طائعين للسلطة، محبين للحاكم، يرون في حكمه العون والأمل في بيئة السلام والطمأنينة.
وأمَّا تدريس الآداب والفنون الكلاسيكية (منذ عهد اليونان والرومان) وكذلك تدريس التاريخ القديم، مما أمثلته تدلُّ على أن ضرره أكثر من نفعه، فهذا كله سنذهب به، ونضع محله تدريس برامج المستقبل. وسنمحو من أذهان الناس جميع ما وعته من وقائع القرون الخالية، مما لا نرى فيه الخير لنا، ولا نبقي إلا على ما يسجل المزالق على حكومات الغوييم. وما يحتل المكان الأول في برامج التعليم الجديدة، تدريس أصول الحياة العملية، والواجب نحو النظام، ونحو علاقات الناس بين بعضهم بعضاً، وفي التدريس المقبل نجتنب الأمثلة التي فيها صور الأنانية والانحراف، إذ في هذا تَكْمُن بذور الشر وعدواه، ثم يُعْتنى بكل عنصر من عناصر التهذيب والتقويم. والمناهج التعليمية تتوزع على مناحٍ مختلفة، بحيث يتعلق كل منهج بمنحى من مناحي الحياة على مراحل العمر كله، وأن نجعل التعليم يجري على نمط متماثل وله طابع متَّسق. وهذه المسألة هي غاية الخطورة ولها عندنا المقام الأول.
وكل مرحلة من مراحل العمر، تُضْبَط قواعدها على التحديد، ويُجعل مقابلها ما يناسبها من العلم في الحياة. وأما النبغاء الذين يظهرون متفردين في الذكاء، والآن وفي كل زمان، فلهم من ألمعيتهم ما يمكنهم من تخطي حدود المراحل في حلبة الحياة، ولكن من البلية على هؤلاء المشرقين اللامعين أن يزاملهم من رفقائهم مَنْ حظه البلادة وفقر الموهبة، فيحاول هؤلاء المناكيد مزاحمة من هو أفضل منهم وامتاز عليهم بحكم الفطرة أو الجدارة في إتقان العمل. ولا يخفى عليكم ما أصاب الغوييم من نكبة بسبب ضلالهم في هذا الأمر.
ومن تصدى للحكم، وابتغى أن يكون له في قلوب الرعية مكانةُ وطيدة، وفي أذهانها صورةُ جميلة، وجب عليه بالضرورة، ما دام يمارس واجباته، أن يطلق الأمة جمعاء بكل وسيلة، في المدارس والساحات العامة، على ما هو بسبيله من مقاصد وأعمال، وما يهدف إليه من خير شامل في نشاطاته.
وسنلغي حرية التعليم في جميع الوجوه. فالمتعلمون، وكل فريق منهم يتبع مرحلة من المراحل، يكون لهم الحق أن يجتمعوا مع آبائهم وأهليهم في أماكن عامة كاجتماعهم في منتدى. وفي هذه الاجتماعات أيام الاستراحة، يقوم الأساتذة الموكول إليهم الأمر، بقراءة مواد تجري مجرى الخطب والمحاضرات، مجانية، تتناول العلاقات الإنسانية والقوانين مع الشواهد والأمثلة، كما تتناول شرح القيود والنواهي المتولدة من الصلات اللاشعورية بين الناس، وأخيراً فلسفة النظريات الجديدة التي لم تعلن بعد إلى العالم. وهذه النظريات سنعلي من شأن قيمتها إلى حدّ أن ينيلها من جدّ الاعتبار ما للعقائد في الأديان، وهذا يقع في دور الانتقال نحو الوصول إلى ديننا في النهاية.
وإذ قد فرغت من عرض برامجنا العملية للحاضر والمستقبل، فإني أتلو عليكم الآن مجمل القواعد لتلك النظريات.
وبكلمة موجزة، إننا نعلم بالتجربة لعدة قرون، أن الشعب إنما يعيش على الآراء ويهتدي بها، ويرتضع هذه الآراء عن طريق التعليم الذي يدارج مراحل الحياة. وهنا يختلف معنا الأمر من جهة أساليب التعليم وطرقه. فنحن بهذا الاختلاف في الأساليب، سنلاشي القديم إلى آخر أثرٍ من آثاره، ونحصر زمام التعليم بأيدينا، فلا يبقى خيط من خيوط الفكر المستقل إلا وطرفه بيدنا، وهو ما كنا نستعمله سابقاً لاستمالة الشعوب واجتذاب أفكارها.
وأسلوب التعليم المُلْجِم للعقول، والطامس على الأذهان، مُطَبّقٌ اليوم في المنهج المعروف بدروس الأشياء Object Lessons وهذه الطريقة غايتها إخمال أذهان الغوييم ودفعها نحو البلادة والاسترخاء، تنتظر أن يؤتى إليها بالأمثلة من الأشياء المحسوسة، جاهزة الشكل لتعرف ماهيتها بالصورة المشاهدة (بدلاً من أعمال الفكرة)…وفي فرنسا نرى أن هذه الطريقة قد نجحت كل النجاح حيث نرى أفضل عملائنا من البورجوازية قد وضعوا لها المناهج العامة ومشوا عليها.
البروتوكول السَّابِع عَشر
المحاماة القضائية – نفوذ رجال الدين عند الغوييم – حرية الضمير – البلاط البابوي – ملك اليهود محل "الأب البابوي" – كيف نكافح الكنيسة الحالية – واجبات الصحف في هذا العصر – منظمة البوليس – البوليس المتطوع – التجسس على منوال التجسس عند منظمة "القبالا" – سوء استعمال السلطة
إن ممارسة المحاماة تنتج رجالاً بردت طباعهم وقست قلوبهم، اعتادوا الإلحاح واللجاجة، ونزل اللؤم من أخلاقهم منزلةً ملحة، ولا يهمهم في كل القضايا والدعاوي إلا أن يتعلقوا بنقطة من نقاط القانون مطاطة غامضة، يدورون حولها دوراناً طويلاً. يحللون كل شيء من حق وباطل، ليسوّغوا وجهة نظرهم في الدفاع عن موكلهم، لا ليخدموا المصلحة العامة التي تهم المجتمع. لا يترددون أبداً في اقتحام أي موقف منحرف من أجل غايتهم هذه، ويطلبون إخلاء سبيل المتهم والبراءة له، متهالكين متماحكين، حول كل جزء قليل من نص، عابثين بهيبة العدالة. وهذا ما يدعونا إلى أن نجعل مهنتهم في نطاق ضيق، ضابطاً لها، يحفظ كرامتها، ويدخلها في حيّز السلطة الإجرائية التنفيذية، حرصاً على المصلحة العامة. فالمحامون (على سوىّ القضاة)، سيمنعون من حق التعاطي مع فريقَيْ الدعوى، وعليهم أن يقوموا بالعمل الذي تعيّنه لهم المحكمة، فيدرسون ذلك ويضعون عليه التقارير مسنودة بالوثائق المثبتة، ثم يدافعون عن موكلهم بعد أن يكون قد استجوبته المحكمة في الوقائع المادية في الدعوى، وتقدر المكافأة للمحامي على "أتعابه" دون نظر إلى قيمة الدفاع الذي أدلى به، وهذه الطريقة تجعله مجرد واضع بيانات موضحة، تتعلق بالأعمال القضائية والمحاكم، لمصلحة العدالة، فيكون في هذه الكفة من الميزان كمساعد للنائب العام في الكفة الأخرى، وهذا كله من شأنه أيضاً أن تختصر به المعاملات لدى المحكمة، وتقام قواعد شريفة لمهنة الدفاع على غير جَنَف ولا محاباة، والهادي في هذا ليس ما في نفس المحامي من مطمح لجرّ المغنم إلى جيبه، بل وحي الضمير النقي. وهذه الطريقة ستقضي على ما نرى اليوم من فساد مداره المساومة بين المحامين متواطئين تواطئاً مؤدّاه الذهاب مع الفريق الذي ينالون منه مغنماً أوفر لجيوبهم.
وقد سبق لنا فيما مضى من الوقت أن بذلنا جهداً لإسقاط هيبة رجال الدين عند الغوييم، وقصَدْنا بذلك أن نفسد عليهم رسالتهم في الأرض، وهي الرسالة التي يُحْتَمَل أنها لا تزال بنفوذها عقبةً كؤوداً في طريقنا. ولا نرى هذا النفوذ في الوقت الحاضر إلا في تناقض يوماً بعد يوم. أما حرية الضمير فقد انتشرت وعمّت في كل مكان، وبتنا الآن لا يفصلنا عن رؤية الدين المسيحي قد انهار انهياراً تاماً، سوى بضع سنين.
أما ما يتعلق بالأديان الأخرى، فالصعوبة التي سنلاقيها في تعاملنا معها، تكون أقل، ولكن من السابق لأوانه أن نتكلم عن هذا الآن. وسنضيق الحلقة على الكهنوتية ورجال الكهنوت، لنجعل نفوذهم ينكمش ويرجع القهقرى بالقياس إلى ما كان لهم من فلاح في الماضي.
ومتى حان الوقت لهدم البلاط البابوي، ستظهر إصبع يدٍ خفية تشير إلى الأمام نحو ذلك البلاط. فإذا ما انقضًّت الأمم عليه، سنخفُّ ونسارع إليه تحت ستار الدفاع عنه، رغبة في حجب الدماء. وبهذه اللعبة، سنوغل أيدينا في أحشائه ولن نخرجها بعد، حتى تتبدد قواه ولا حراك به.
ثم يكون ملك اليهود هو البابا الحقيقي للمسكونة كلها، وبطريرك كنيسة دولية عالمية.
وفي خلال هذا الوقت، ونحن نعلّم الشباب وننهج بهم على تقاليد دينية جديدة، تمهيداً للوصول بعد ذلك إلى ديننا، لن نحرك ساكناً تحريكاً مكشوفاً، معكراً على الكنائس الحالية، بل نكتفي من قتالنا لها بشنّ حملات الانتقاد الهدَّام، مما يؤدي إلى الانشقاق والفرقة.
وعلى الجملة، وما يصحُّ قوله الآن، ينبغي أن تستمر صحافتنا المعاصرة في شن حملات النقد اللاذع على الدول في أعمالها، وعلى الأديان، وعلى ما يتردًّى فيه الغوييم من عجز وضعف، وينبغي أن تكون لهجة الحملات بالغة حد العنف، خارجة عن آداب الخطاب، حتى تتواطأ الوسائل كلها في إضعاف الهيبة وتهشيمها، وهذا الأسلوب لا يتقنه إلا النابغون من رجال قبيلنا المخصوص بالمواهب.
وستكون مملكتنا دفاعاً عن ألوهية "فيشنو" 1 الذي فيه قد تجسمت صورة الألوهية - وسنقبض بالمئة يد ويد أيدينا على كل زمام من أزمة جهاز الحياة الاجتماعية، وسننفذ بأبصارنا إلى أن نرى كل الخفايا، بلا استعانة بالبوليس الرسمي، إذ لا حاجة بنا إليه، لأنه مع ما له من حق التدخل، وهذا ما أحكمنا نحن تهيئته له، وتجهيزه به من أجل العمل بين الغوييم، بات عمله لا يناسبنا لصيرورته عائقاً في طريق الحكومات. وتقضي برامجنا، بأن يعمل ثلث الشعب في التجسس على الثلثين الآخرين، ويكون التجسس منبعثاً عن الشعور بالواجب وعلى قاعدة التطوع بالخدمة في سبيل الدولة، ووقتئذٍ لا يكون من العار أن تكون جاسوساً ومخبراً، بل يكون ذلك مزية وفضلاً، فإذا انطلقت ألسنةٌ بالتعبير والقذف، نالت جزاءها، وحُفِظًتْ للتجسس كرامته.
وسننتقي جواسيسنا من مختلف الطبقات، العليا والسفلى، ومن رجال الإدارة العاكفين على اللهو والأطايب، ومن محرري الصحف والكتّاب، والناشرين، وباعة الكتب، وموظفي الدوائر والدواوين، ومن الذين كثر اختلاطهم بالجمهور عي طريق الأخذ والعطاء، والبيع والشراء، ومن العمّال والسوّاقين والخدَّام والأتباع، وقس على هذا. وهؤلاء الأشخاص، وليس لهم حق اتخاذ أي إجراء يتعلق بموضوعات تقاريرهم، ولا صلاحية لهم في هذا على الإطلاق، كأنهم بوليس بلا سلطة، فإن المطلوب منهم هو أن يشاهدوا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم، وينظموا التقارير بما شاهدوا وسمعوا. أما التأكد من صحة ذلك، وإلقاء القبض، فكل هذا معهود فيه إلى نفر مسؤول حاذق من ضباط البوليس. وأما تنفيذ أوامر إلقاء القبض فيقوم به رجال الدرك والشرطة البلدية.
وكل شخص رأى أو سمع مساساً بقضايا الحكومة ولا يبلغ الحكومة ذلك، يتهم بإخفاء المعلومات التي يجب عليه نقلها إلى الحكومة ويحكم عليه بالجزاء إذا ثبتت التهمة.
وكما تجري الأمور من هذه الناحية الإخبارية في بيئتنا اليوم، كذلك تجري في المستقبل وتبقى على صفتها هذه. فإخواننا اليوم مكلفون تحت طائلة أخذهم بالمسؤولية والحساب العسير في حالة الإهمال والتقصير، بأن يبلغوا هيئة القبالا 2 عما يقع لهم أن يطلعوا عليه من حوادث الارتداد عن الدين اليهودي من أبناء أقربائهم، أو ما يرونه من شغب على هيئة القبالا أو قذفها بتهمة! كذلك سيكون الأمر في مملكتنا علناً في أرجاء العالم كله، ويمسي من الواجب على رعايانا، بلا استثناء، ملاحظة هذه الخدمة للدولة.
وإن إرادة من هذا النوع والصفة، بوسعها أن تكافح أعمال العبث بالسلطة، ومخالفة القانون، والرشوة، وكل شيء أدخلناه بموجب نصائح حكمائنا على عادات الغوييم من مفاسد، عن طريق نظريات حقوق الإنسان العليا. وعلينا الآن أن نسأل: بأي وسيلة استطعنا أن نُكْثر من خلق الأسباب المؤدية إلى الاختلال والانتقاض في حكومات الغوييم؟ من تلك الوسائل واحدة كانت الفعالة، وهي اتخاذ العملاء والجواسيس، فنأتي بهم بدعوى أن مهمتهم العمل على إعادة النظام، والحق إلى نصابه، وبفضل ما اخترنا لهم من مناصب مناسبة، يغتنمون الفرصة في بث أسباب الانتقاض وقدح الزناد، ويمارسون في هذا أسوأ ما ركّز فيهم من خلق مخرب، وعناد، وغرور، واستعمال السلطة بغير مسؤولية، وأشنع من هذا كله – استقتالهم في حب المال.
الحاجة اليومية إلى الرغيف – مسائل السياسة - المسائل الصناعية – فتن
الملهيات المسليات – قصور الشعب – "الصحيح صحيح بذاته" -
القضايا الكبرى.
الحاجة إلى رغيف الخبز كل يوم، تُكْرهِ الغوييم على أن يخلدوا إلى السكينة، ويكونوا خدَّاماً لنا طائعين. والعملاء الذين نختارهم منهم لخدمتنا في الصحف، سيقومون، بإيعازٍ منا، بمناقشة أي موضوع لا يناسبنا أن نعالجه نحن في بيانات رسمية نصدرها إلى الجمهور توّاً، لكننا، والنقاش دائر، حامي الوطيس في أخذ ورد، ما علينا سوى أن نقوم، بهدوء تام، بالإجراءات التي نراها ضرورية حسب رغبتنا، وهي ما يتعلق بموضوع النقاش الدائر، ثم نعرض المسألة على الرأي العام، كأنها أمر واقع قد فرغ منه. حينئذ لن يجرؤ أحد على أن يتقدم فيطلب إلغاء هذا الرأي الواقع، وتضيق الحلقة به وبأمثاله، عندما نكون قدَّمنا ما قدَّمنا بمثابة إصلاح وتحسين. وفوراً تقوم الصحف بدعوة الرأي العام واجتذابه إلى ما هو أشياء جديدة فاتنة، فتنصرف إليها الأذهان (ألم نكن قد عودناها اشتهاء الجديد المستحب الصالح؟) ثم ينبري لبحث الأمور الجديدة أشخاص ما وُهِبوا من مقسِّم الحظوظ إلا فراغ العقول، وهم الذين يغيب عنهم أن يفهموا أنهم ليسوا على شيء، وأعجز من أن يدركوا اللباب. فأمور السياسة إنما نحن وحدنا نحذقها، وقد هيأنا الله لها بفعل الأجيال الجديدة، فمن مبدعها غيرنا؟
تعلمون من كل هذا، أننا في طلبنا موافقة الرأي العام على ما نكون بسبيله، إنما نطلبه في الواقع لنسهل به عمل أجزهتنا، وقد تلاحظون أن ما نرغب في نيل الموافقة عليه، ليس عملاً من أعمالنا التي انتهى أمرها وفرغنا منها، بل ذلك هو مجرد كلمات رمينا بها وقولٍ قلناه، يتعلق بهذا أو ذاك من الأمور التجارية. ومن دأبنا دائماً أن نصرح ونعلن، أننا في مسارنا نعتصم بالأمل، ووراءه اليقين، إننا خير متوخين إلاّ خدمة المصلحة العامة.
ولكي نصرف أذهان الجمهور المزعج الشكس، عن مناقشة الأمور السياسية فإننا نجيء إليه بما ندعيه بأنه الجديد المختار، في باب الصناعات وما إليها. وندعه يخوض في هذا ويسبح ما شاء. واعتادت الجماهير ألا تستسلم إلى الاسترخاء، وتنفض يدها مما تعده من متاعب السياسة (مما عودناها معاناته من قبل، لنستغل ذلك في مكافحة حكومات الغوييم) إلا إذا توافر لها من الأعمال المناسبة الأخرى ما تعتاض به عما تتخلى عنه من شواغل السياسة، ولكي تبقى الجماهير في ضلال، لا تدري ما وراءها وما أمامها، ولا ما يراد بها، فإننا سنعمل على زيادة صرف أذهانها بإنشاء وسائل المباهج، والمسليات والألعاب الفكهة، وضروب أشكال الرياضة، واللهو، وما به الغذاء لملذاتها وشهواتها… والإكثار من القصور المزوقة والمباني المزركشة، ثم نجعل الصحف تدعو إلى مباريات فنية رياضية و من كل جنس. فتتوجه أذهانها إلى هذه الأمور وتنصرف عما هيأناه، فنمضي به إلى حيث نريد، فَيَسْلم موقفنا، وهو الموقف الذي لو أعلناه بارزاً مكشوفاً، تواً، بغير اصطناع هذه الوسائل الملهية، لوقعنا في التناقض أمام الجماهير. ثم أن الجماهير بحكم ما الفته واعتادته من قلة التفكير داخل آفاقها النفسية، ولا قدرة لها على الاستنباط، تراها شرعت تقلدنا وتنسج على منوالنا في التفكير إذ نحن وحدنا من يقدم إليها المناحي الفكرية... وطبعاً لا يكون هذا إلا على يد أشخاص لا شك في إخلاصهم لنا.
والدور الذي يلعبه الليبراليون والطوباويون، حملة الأحلام الخيالية، يكون قد استنفد غرضه عندما تقوم حكومتنا، وقد تمَّ لها الأمر. وريثما تظهر حكومتنا ويبرز كيانها، فإعمال هؤلاء تبقى مفيدةً لنا، ونحن نمدهم بما يوجه عقولهم إلى انتحال كل تافهٍ من العقائد يرونه جديداً، مطلوباً ومقبولاً، السنا نحن الذين نجحوا في توجيههم بعقولهم الرخيصة، توجيه التضليل والتعمية، حتى باتوا، ولا ترى فيهم واحداً قادراً على التمييز ومعرفة أن معنى كلمة التقدم يتضمن المفارقة والمناقضة في جميع الأحوال، حيث لا يكون الشيء كناية عن اختراع مادي، لأن الصحيح بذاته هو على وجه واحد ثابت، وليس فيه مكان لمعنى التقدم. والتقدم كفكرة، شيء فاسد، ومن شأنه أن يجعل الصحيح مبهماً غامضاً محجوب الرؤية، ورؤية الصحيح بجلاء ما خلقت إلا لنا، شعب الله المختار، حراس هذا كله.
وعندما ندخل مملكتنا، سيتولى خطباؤنا شرح هذه المسائل التي قلبت الإنسانية رأساً على عقب، وبالتالي جَرَّتْها إلينا. أهناك من يشك مقدار ذرة، أن جميع هذه الشعوب، نحن قد اقتدناها هذا الاقتياد المسرحي حسب مرادنا السياسي، ولم يُرَ فيها أحدٌ خطر بباله أو استطاع أن يدرك كيف سارت به قافلته هذه القرون العديدة.
البروتوكول الرابع عشر
دين المستقبل – العبودية في أحوالها المستقبلة – دين المستقبل مكتوم لا تصل إليه المعرفة –
الأدب الإباحي والأدب النثري العام في المستقبل
متى ما وَلَجنا أبواب مملكتنا، لا يليق بنا أن يكون فيها دينٌ آخر غير ديننا، وهو دين الله الواحد المرتبط به مصيرنا، من حيث كوننا الشعب المختار، وبواسطته ارتبط مصير العالم بمصيرنا. فيجب علينا أن نكنس جميع الأديان الأخرى على اختلاف صورها. فإذا أدّى هذا إلى ظهور الملحدين والإلحاد، على ما نرى اليوم، فذلك لن ينال من آرائنا شيئاً، والدور دور انتقال، بل يكون الإلحاد بمثابة إنذار للأقوام التي تُقْبِل على استماع تبشيرنا بدين موسى، وهو الدين الذي بوضعه الوطيد وكمال نظامه، قد أستمال جميع أمم العالم تخضع لنا وحينئذ نعلن أن ديننا هو الدين الذي يتوجه به الإنسان إلى الملأ الأعلى بلا واسطة. وفي هذه المرحلة من هذا الدور الانتقالي، سننشر على الناس من الفصول والمقالات والأبحاث ما يتبينون به الفوارق بين حكمنا الخيّر وأحكام العصور الغابرة، بالمقارنة. وبركات الاستقرار الذي هو حصيلة أخطاء حكومات الغوييم، فسنحصيها عليها ونحاسبها بأشد ما يمكن من العنت. وسنذيع على الملأ بشاعة تلك الأخطاء إلى حد يجعل الناس يؤثرون السكينة في دولة هم فيها عبيدٌ مستخدمون، على ما رأوا من فارغ حقوق الحرية التي عذّبت الإنسانية واستنفدت قوة الوجود الإنساني، وهي القوى التي استغلتها عصابات دهماوية ضالة، مغامرة، لم تعرف من حقيقة أمرها شيئاً. وتغيير أشكال الحكومات فيما مضى، وهو أمرٌ طالما دفعنا الغوييم إليه وأغريناهم بإتيانه، لمَّا كنا نعمل على دكّ كيان الدول، كان من نتيجته حتى الآن انه نَهَك طاقة الشعوب واستنزف عافيتها حتى أمست مذعنة لتحمل أي مشقة في ظل حكمنا، وهي ترى هذا خيراً لها من العودة إلى معاناة العهود السابقة في ظل حكوماتها التي قد انطوت.
وفي الوقت نفسه، لن ننسى أن نندّد بالأخطاء التاريخية التي ارتكبتها حكومات الغوييم، الأخطاء التي تعذبت بها الإنسانية دهراً طويلاً لعجز تلك الحكومات عن أن تفهم وتعي معنى أيّ شيءٍ من الخير المحض للإنسانية، فظلت (تلك الحكومات) راكبةً رأسها وراء مطالبها القائمة على الشهوات، والمكاره، آملة أملاً فارغاً أنها ستحصل على البركات الاجتماعية، ولم تلاحظ قط أن تلك المطالب كان من شأنها أن تزيد الشر وبالً وسوءاً، دون أن تحقق شيئاً من تحسين وضع العلاقات العامة بين البشر وهذه العلاقات هي أساس حياة الإنسان.
وما تنطوي عليه مبادئنا من طاقة كامنة، وما في قواعد عملنا من قوة، كل هذا ستنجلي محاسنه بطريقة واحدة، وهي أن نعرض ذلك ونبيّنه للناس ونشرحه لهم، فيظهر خيره للعيان بالمقابلة والمقارنة، مع الأنظمة السابقة التي فَنِيَت واضمحلت.
وسيتولى فلاسفتنا بالشرح والتوضيح، الكشف عما تنطوي عليه معتقدات الغوييم الدينية من عوار. غير أنه لن يسمح بأن يطرح ديننا للبحث ابتغاء الوقوف على مقاصده وغاياته الصحيحة، إذ هذا علمه محصور بنا، مقصور علينا وحدنا، ونحن دائماً حريصون على ألاَّ نبوح بأسراره لغيرنا.
وفي خلال القرون التي تنعت بقرون النور والتقدم، وَضَعْنا في أيدي الناس ضروباً من مادة الآداب المنشورة بالطباعة، هي غايةٌ في التفاهة والقذارة والغثاثة. وبعد أن نقيم مملكتنا فهذه الأنماط من مادة الأدب ستظل على حالها ساريةً مسراها، نروّجها ونحثّ عليها، والغاية من ذلك أنه عندما نأتي نحن بأنفس طراز من محاضراتنا وخطبنا وأبحاثنا وبرامج أحزابنا، ولك ذلك رائع، يوزع من قبل مقاماتنا العالية، حينئذ يدرك الغوييم إدراكاً مذهلاً مدى الفرق العظيم بين ما أعطيناهم، وما كانوا عليه. وسيقوم حكماؤنا، المهيأوون لقيادة الغوييم، بوضع المحاضرات ورسم الخطط والمشروعات، وكتب المذكرات وصنوف المقالات، مما نستعمله نحن لفائدتنا، فيسري أثره إلى عقول الغوييم تتلقح به وتستضيء بنوره بالاقتباس منه، إستدراراً للمعارف، على ما قررت مناهجنا.
البروتوكول الخامس عشر
الانقلاب أو (الثورة) يعمّ العالم في وقت واحد – الإعدام – حظ ماسون الغوييم في المستقبل – أسرار السلطة – الإكثار من المحافل الماسونية – الهيئة المركزية الحاكمة من حكماء الماسونية – الأساليب المتحايلة – الماسونية وقيادتها جميع الجمعيات السرية – استحسان ما يقوله المغرورون – الجماعة المتضامنة – الضحايا – إعدام حتى من هم ماسون – سقوط هيبة القوانين والسلطة – مكاننا بصفتنا الشعب المختار – ميزة القوانين في الإيجاز والوضوح في حكومة المستقبل – طاعة الأوامر – العقوبة لمن يسيء استعمال القانون – صرامة العقوبة – تحديد سن صرف القضاة من الخدمة – الليبرالية عند القضاة والسلطة – احتشاد أموال العالم – السلطة المستبدة الماسونية – حق الاستئناف في المستقبل – مظهر الأبوة في حكم المستقبل – حق القويّ هو الحق الوحيد ولا غيره – ملك إسرائيل هو الأبوّة للعالم بأسره
متى ما أنجزنا إقامة جولتنا بالانقلابات والثورات المعدة في كل مكان، لتقع في يوم واحد موقوت، بعد أن يكون أمر الحكومة قد بلغ غاية التدلي والتفاهة، واتضح ذلك ولا سبيل إلى إنكاره (وما ينقضي من الوقت من يومنا الحاضر حتى يوم تحقيق أهدافنا المقبل قد يمتدُّ إلى قرن) فإننا سنُعنى بعد ذلك بمكافحة أي شيء من حياكة المؤامرات علينا، وسنذبح بلا رحمة جميع الذين يتناولون السلاح (بأيديهم) ليقاوموا الانضواء إلى مملكتنا. وكل نوع من المنظمات الجديدة يؤلف بعد ذلك ويكون من الجمعيات السرية، يعاقب القائمون به بالموت. وأما الجمعيات القائمة اليوم، وهي معروفة لدينا، وتعمل في خدمتنا كشأنها في الأمس، سنجرّدها من سلاحها، ونطرح رجالها في المنافي في القارات البعيدة من أوروبا. ثم بعد ذلك نمضي، ومعنا ماسون الغوييم الذين تحنكوا بالعمل، فنالوا الخبرة والمعرفة، كما يكون معنا أيضاً أمثالهم، ممن نعفو عنهم، لسبب ما، عفواً يبقيهم دائماً خائفين، مترقبين المفاجآت، يتوقعون النفي. وسنسنُّ قانوناً يجعل جميع الأعضاء في الجمعيات السرية السابقة معرّضين للنفي في أوروبا، وأوروبا حينئذ مقرّ حكمنا.
وستكون مقررات حكومتنا باتة، لا استئناف لها.
وأما جمعيات الغوييم السابقة التي زرعنا فيها بذور التفرقة، والمخاصمة، والتنابذ، والانشقاق، فَنَمَتْ تلك البذور وامتدت جذورها، فالطريقة الوحيدة لإقامة النظام في هذه الجمعيات هو اتخاذ تدابير صارمة تتجلى فيها سطوة السلطة بكل وضوح. ولا نبالي بالضحايا في هذا السبيل، فإن تضحيتنا هنا بهؤلاء إنما هي لخير المستقبل، وتحقيق هذا الخير للمستقبل، ولو شُرِيَ بالضحايا, ينبغي أن يكون الواجب المطلوب من كل حكومة تعترف بأن تبرير وجودها، لا يتمّ بأن يكون لها حقوق وكفى، بل لا يتم إلا بأن يكون عليها أيضاً واجبات والتزامات. وأكبر ضمان لوثاقة الحكم الجديد في أوضاعه، هو إظهار عزة الدولة وهيبتها، كأنها تعتصب هالةً من نور، وهذه الهالة مجلاها ومظهرها جبروت القوة، ويدلُّ على ذلك الشعار الذي في جبينها، وهو رمز عصمتها المستمدة من أسباب علوية - يوم اختارنا الله. والأوتوقراطية الروسية إنما كانت على هذه الصفة حتى وقتٍ قريب، وهي العدو الوحيد الرهيب رأيناه في العالم، ولا ندخل في هذا الحساب الآن، البابوية. واحفظوا في بالكم على سبيل المثال ما وقع في إيطاليا، فإنها، وهي سابحة في الدم، لم تستطع أن تمسَّ ولو شعرةً من رأس صولاّ وهو الذي أسال تلك الدماء. وتمتع صولاّ بصولة عارمة فعلاً وتأله، لمًّا ملأ عيون الناس روعة السطوة، مع أن الشعب كان قد رأى منه الويل والعذاب، وانتثر من بين يديه مقطعاً إرباً إرباً. لكن لمًّا عاد صولاّ إلى إيطاليا عودة المقحام الجريء، أفرغت عليه عودته هذه بهاءَ العظمة، ووشاح القدرة التي لا تُغْلب. فأمسى الشعب أخوف من أن يومئ إليه إيماءً، وأصل ذلك عند صولاّ الإقدام وقوةُ العقل.
وفي خلال الوقت الذي ينقضي من الآن إلى أن نقيم مملكتنا، سنسلك الطريقة المخالفة لهذا: فإننا سنخلق ونكثر من المحافل الماسونية الحرة في جميع بلدان العالم، لتمتصَّ إلى جوفها الذين يمكن أن يغدوا من ذوي النباهة والشأن، أو هم هكذا في حاضر حالهم، في تعاطي الشؤون العامة. وفي هذه المحافل نجد طِلبتنا من مكامن التجسس الرئيسية وأسباب نشر نفوذها. وهذه المحافل سنضعها تحت إجارة مركزية معروفة لنا وحدنا، وأما غيرنا فلا يدري من ذلك شيئاً مطلقاً. وهذه الإدارة المركزية إنما تؤلَّف من حكمائنا. ويكون لها ممثلون ينطقون باسمها، وهم بمثابة ستار يغطّي الإدارة المركزية الماسونية التي منها تصدر التعليمات، والشارة وكلمة السر. وفي هذه المحافل، نُحكم رَبْط العُقدة التي تضم أُنشوطتها جميع العناصر الثورية والليبرالية. وهذه العناصر آتية من مختلف طبقات المجتمع. وعلى هذا الوجه، فإن أوغل المؤامرات السياسية في دهاليز السرية وأوكارها، يكون عندنا خبره، ونحن المحركون لذلك بأيدينا المشيرة من وراء ستار من أول يوم تولد. وينضوي إلى عضوية المحافل، جميع العملاء للبوليس الدولي العام، والبوليس المحلي في كل دولة، إذ خدمة هؤلاء لا يعتاض عنها بسواها، لأنهم يستطيعون استعمال تدابيرهم الخاصة إزاء المتمردين، وليس هذا وكفى، بل أيضاً بوسعهم أن يكونوا ستراً على نشاطنا بما يضعون من تأويل وتفسير ومزاعم ومدعيات، في حالات انتشار القلق والتذمر وما أشبه.
وأما أولئك الأفراد من طبقة الشعب، الذين يسارعون طوعاً من تلقاء أنفسهم للانتماء إلى الجمعيات السرية، فهم القوم الذين يعيشون بمقاييس ضئيلة على قدر أفهامهم، مستندين على القليل الذي عرفوه واكتسبوه من تعاطيهم أعمالهم المختلفة، وكل واحد منهم هو ابن صنعته، فهؤلاء على الجملة والغالب خفاف العقول، ولا نجد صعوبة في معاملتهم واستعمالهم عند الاقتضاء كأدوات تصلح لتعطيل سير الأجهزة التي هي من صنعنا. فإذا طرأ اضطراب على هذا العالم، فمعنى ذلك أننا نحن الذين رأوا إيقاع هذا الاضطراب لتقوم الأمم على بعضها بعضاً، وتهدم كيانها المتضامن المنيع. ولكن إذا ظهرت في وسط العالم مؤامرة، فعلى رأس تلك المؤامرة لا يكون أحد سوى من هو في خدمتنا وأشدهم إخلاصاً لنا. فطبيعيُّ، إذن، أن نكون متولين توجيه النشاط الماسوني، لأننا نعلم أين هي الغاية من التوجيه، والهدف المقصود من كل نشاط، بينما الغوييم يجهلون من هذا كل شيء، ولا يتصورون النتائج حتى في أبسط أشكالها، وشأنهم المعتاد أن يبادروا إلى إظهار الاعتداد بالنفس والتباهي والازدهاء بآرائهم الخاصة، إلى انغماسهم في مصالحهم الفردية، دون أن يلاحظوا على الأقل أن محض الفكرة التي يدورون حولها ليست من بضاعتهم في الأصل، وإنما وَرَدَتْ عليهم منا، ألقينا بها وهم لا يَدْرُون.
والحافز لأفراد الغوييم في انتمائهم إلى المحافل، عادة حب الاستطلاع ودافع الفضول، أو أملاً أن ينتاشوا من المجتمع لقيمات من حب الظهور. وفصيل ثالث منهم، أمنيته أن يقف فيتكلم في الجمهور ليستمعوا إليه، وهذا ليس عنده إلا ترهات. فهؤلاء جميعاً متعطشون إلى أن يستمتعوا بلذة القول أنهم نجحوا، واستحسن الناس ما قالوا. ونحن في هذا على غاية الجود والكرم. والسبب الذي من أجله أننا نمنُّ عليهم بهذا النجاح والاستحسان، هو أن نسخّرهم ونستغلّهم من ناحية غرورهم المطبق، وهذا كله مما يحملهم على أن يهضموا بلا شعور، آراءنا وأفكارنا، ويتبنوها دون أن ينتبهوا إلى أن ذلك هو منا. ومن شدة هذا الغرور فهم عديمو الاحتراز, وليس لهم صحة تقدير، فيتظاهرون عن ثقة تلابسهم، بأن هذا النجاح كله هو من بنات أفكارهم ومبتكراتهم، وهم أكبر من أن يقتبسوا، أو يقترضوا مثله من سواهم. ومن السهل جداً، من هذه الناحية، أن تجرَّ، حتى أعقلهم، إلى موقف السذاجة، دون أن يشعر بأنه منساق مجرور، وهو متجاوب مع غروره. وسَهْل كذلك أن تميل بهم الميل الذي تريد، منتزعا قلوبهم من بين حنايا صدورهم، وذلك لأقل فشلٍ يلاقونه، حتى ولو كان هذا الفشل لا يزيد خيبتهم في أنهم لم يلاقوا مقدار الاستحسان الذي كانوا يتوقعون، فيستذلّون ذلَّ العبيد من أجل أن يعود إليهم ما يأملون……وجماعتنا ينبغي ألا يهمهم شيء من مقدار هذا النجاح الذي يشغل بال الفرد من الغوييم، إلا إذا رأت جماعتنا أن من المصلحة لها، المسايرة في تنفيذ المسألة المطروحة، مع العلم أن الغوييم في سبيل التلذذ بالنجاح الذي إليه يتوقون، يضحّون بكل مرتخصٍ وغال. وهذه الحالة عن الغوييم تساعدنا كل المساعدة، ونحن نعالج تعيين مكانهم من الاتجاه المطلوب. فهم نَمِرَةُ واسودٌ في الظاهر، أما نفوسهم فنفوس خرفان، والرياح تلعب برؤوسهم دائماً تندفع بهم هذه الناحية أو تلك. وقد أشربناهم، عن طريق إركابهم حصاناً من قصب كحصان الصبية اللاعبين في الساحة، فكرةَ اندماج الفرد في المجموع لتحصل من ذلك الوحدة الرمزية للجماعة..ولم يفطنوا، ولن يفطنوا، إلى أن هذا الحصان الذي أركبوه فامتطوه بازدهاء وخيلاء، ما هو إلا ابتعاد واضح من مجرى النواميس الطبيعية، إذ الطبيعة قد أوجدت من أول يوم الكون، كل وحدة من وحداتها تختلف عن الأخرى، والغاية من ذلك إنشاء الفردية.
فإذا كنا قد استطعنا أن نورد الغوييم كل هذه الموارد من التضليل لبلاهتهم وانغلاق عقولهم، أفليس هذا برهاناً ساطعاً على ما انتهت إليه أذهانهم من ركود وتخلّف، إذا قابلتم الحال بيننا وبينهم؟ وهذا ما يضمن لنا النجاح.
ولعمري، ما كان أحكم سلفنا في الأزمنة الغابرة لما قالوا أن في طلب كبار الغايات لا يقام وزن للوسائل والضحايا..وما بنا من حاجة لنحسب ما تحمله الغوييم من ضحايا لحفظ بذرة حيوانه والاحتفاظ بسلالته، مع أن ضحايانا نحن لم تكن بالقليلة. ولكن من أجل ما تحملوا هم، فنعطيهم اليوم من المكان والفسحة على وجه الأرض ما لم يتخيلوه حتى في أحلامهم. وأما عدد ضحايانا القليل من مجموعنا، فقد حَفِظَ لنا قوميتنا وحماها من الاندثار.
الموت حق على كل حيّ. فيكون خيراً وأفضل أن نقرّب الآجال على الذين يعترضون سبيلنا، من أن نقرّب آجالنا، نحن الواضعين لهذه الخطة. وإننا مستعدون أن نعدم الماسوني إعداماً يخفى خبره عن الناس جميعاً، ما عدا الأخوة الماسونية، ولا يدري بهذا أحد حتى المحكوم عليه نفسه، فيظل على جهل من مصيره المدبَّر له حتى يلقاه، فيموت بالوقت الذي عين له كأنه مات ميتة طبيعية من مرض عادي…..والأخوة الماسون أنفسهم، إذا ما علموا بذلك فلن يقووا على الاحتجاج. وبهذه الطريقة نكون قد اقتلعنا من وسط الماسونية الجذور التي قامت تشغَب علينا. وبينما نُعنى بنشر الليبرالية في آفاق الغوييم، لينطلقوا يفعلون ما يريدون، ترانا جِدّ حريصين على جعل شعبنا وعملائنا في حالة الخضوع لنا دون أي اعتراض.
ولا يغيب عنا إننا بفعل هيمنتنا على الغوييم، استطعنا أن نجعل تنفيذ القوانين عندهم يلزم الحد الأدنى، ذلك لأن هيبة القوانين قد نسفتها نسفاً التفسيرات الليبرالية، فعقـَّدتها، وتركتها كومة من الإبهام. وأهم القضايا وأعلاها شأنا، يتولى القضاة الفصل فيها على ما نوحي به إليهم، وينظرون في المسائل على هذا النحو أيضاَ، في إدارة شؤون الغوييم، وهذا طبعاً على يد أشخاص هم أدواتنا باطناً، لكنهم في الخارج وعلى عيون الناس - لا صلة بيننا وبينهم، ويتم تبليغ ما يراد تبليغه بمقالات الصحف وما أشبه. وحتى أعضاء مجلس الشيوخ، وكبار رجال الإدارة، فإنهم يتقلبون نصائحنا بالرضى؛ وعقل الغوييم لخشونته المطلقة، تراه عاجزاً عن التحليل والملاحظة، وهو بعد ذلك أعجز عن رؤية أقرب النتائج للحلول التي يضعها ولا يتصور ما تؤدي إليه.
ومن هذا الفرق في الخصب العقلي بيننا وبين الغوييم، يتضح ما اختصنا الله به من مزايا منذ شاء اتخاذنا الشعب المختار، ويتجلى أيضا ما اختصنا به من درجة عالية في سجية الإنسانية وأما الغوييم فلهم العقل الراكد. ولهم عيون ولكنهم لا يبصرون شيئاً مما أمامهم، وهم لا يخترعون، ولا يبدعون (إلا ما عسى أن يكون في باب الاختراعات المادية) ومن هذا يعلم أن الطبيعة نفسها هي التي خطت مصيرنا لقيادة العالم والسيادة عليه.
ومتى ما جاء الوقت لنمارس الحكم العالمي علناً، ونقبض على زمامه في وضح النهار، باسطين للناس بركاته، فإننا سنفرغ كل القوانين في قوالب جديدة، موجزة، واضحة، متينة التركيب، لا تحتاج إلى تفسير أو تأويل، بحيث يكون بوسع أي فرد أن يفهمها بسهولة، والخصيصة الأولى الملازمة للنصوص، هي بيان وجوب الطاعة للقانون. وهذه القاعدة الأساسية تنزل المنزلة الكبرى من الخطورة، فتتلاشى النقائص والقباحات، ويمحى سوء الاستعمال، لما هناك من مسؤولية يحاسب عليها، وعين السلطان العليا رقيبة على كل شيء. والخارجون على القانون ينالهم العقاب الصارم، ولا مجال لأحد لكي يفرض تجربته الشخصية عن طريق القانون، وسنحيط سير الإدارة برقابة فاحصة يقظة، إذ على هذا يتوقف سير أجهزة الدولة كلها في مطلق شُعَبِها ودوائرها، لأن الخلل إذا وقع هنا في الإدارة، تفشَّى في جسم الدولة بلا استثناء. لذلك لن تمر حادثة واحدة من حوادث المخالفات إلا ويتناول العقاب مرتكبها.
أما إخفاء الجريمة والذنب، والتواطؤ بين القائمين بالإدارة الحكومية، كل هذا الشر لن يكون له وجود، بعد أن تُنزِل العقوبات الصارمة بمن يستحقها في البداية، فتكون في ذلك عبرة كافية. وهالة سلطتنا المشعة بالنور، تقتضي هذا، أي العقوبات العنيفة على أقل الذنوب، لتظلًّ الهيبة القانونية على جلاها، لا تعلق بها شائبة. ومرتكب الذنب قد يلقى من الجزاء فوق ما يستحق، ومَثَلُه في ذلك مَثَلُ الجندي، لكن ميدانه العمل في الخدمة الإدارية لمصلحة الدولة، مبدأً وقانوناً، وقد يُوَلَّج أن يمسك بعنان المركبة العامة ويكون سائقها، فلا يجوز له أن ينحرف بها عن جادة الطريق، فتنزلق وتهوى بمن فيها، وما السبب في ذلك إلا ما في نفس السائق من غاية خاصة، ومثل ذلك يقال في القضاة: فقضاتنا سيعلمون أنهم إذا انحازوا بعامل الرحمة والشفقة، فيكونون بهذا قد خالفوا قانون العدالة، القانون الذي وضع لتقديس شخصية الفرد، عن طريق عقاب المجرم على ما ارتكبه من جرم، وليس موقف القاضي هنا أن يظهر ما في صدره من عاطفة حنان ورأفة، إذ هو هنا لإجراء الحكم فحسب، لا للميل إلى ما في نفسه. فإذا كان للقاضي عواطف وميول خاصة، فليمارس ذلك في شؤون حياته الخاصة، لا في ساحة القضاء، حيث القضية هنا هي تعليم وإرشاد لخير الحياة الإنسانية.
والقائمون بأعمال الجهاز القضائي يُصرَفون من الخدمة عند بلوغهم سن الخامسة والخمسين. وأسباب ذلك أولاً لأن الذين تقدموا في السن، يجمدون على آراء يخالطها تحيز ومحاباة، فيصعب عليهم التخلي عن طبعهم إلى ما هو أصلح. ثانياً، أن هذا الصرف من الخدمة يعطينا الفرصة لتحقيق المرونة في تغيير الموظفين وانتقاء عناصر جديدة أطوع، فالذي يودّ أن يشغل عملاً ما، عليه أن يستحقه بالطاعة. وعلى الجملة، فإننا سنختار قضاتنا من الذين آمنوا كل الإيمان بأن الواجبات المطلوب منهم القيام بها هي العقاب على الجريمة، وتطبيق القانون، لا مجاراة الأهواء الليبرالية، على حساب الآلة التهذيبية في الدولة، على نحو ما يفعل الغوييم اليوم. ثم إن صرف الموظفين أو تغييرهم، من شأنه أن يذهب برابطة تكتل الموظفين الذين يجمعهم التضامن المسلكي وهم رفقةُ صعيدٍ واحد. وفائدة أخرى أيضاً من الصرف: وهي رَبْط عمال الدولة جميعاً بوثاق مصالحها، وعلى هذه المصالح يتوقف مصير الموظفين. وأما عنصر الشباب من قضاتنا فيكمل استعدادهم لتولي القضاء بإخضاعهم لدورات تدريب يفهمون منها استحالة الميل مع المذنب، إذ يتجلى لهم ما يكون وراء هذا من إفساد لأوضاع الرعية فيما بين بعضها بعضاً.
وفي أيامنا هذه، نرى قضاة الغوييم ينحرفون عند النظر في كل نوع من أنواع الجرائم، فلا يفهمون فهماً سليماً معنى ما عهد إليهم فيه، ذلك لأن حكامهم عند اختيار القضاة لا يهمهم أن يكون القاضي متشبعة نفسه بحب التجرد ليستطيع موازنة الأمور بحكمة وإصابة. وكما تُطلِقُ الحيوانات صغارها لترعى حيث تريد، كذلك يفعل الغوييم بتسليط الموظفين على المصالح والأعمال، ليعتصروا منها ما يشاءون لأنفسهم، وهذا هو السبب في ما يحل بحكوماتهم من خراب، فهم في الواقع يخربونها بأيديهم، عن طريق عمالهم.
ولا بأس أن نقتبس درساً آخر من نتائج هذه الأعمال لخير حكومتنا.
إننا سنطارد الليبرالية من جميع المناصب الحسّاسة الخطيرة، وعلى هذه المناصب يتوقف تدريب العمال الثانويين اللازمين لهيكل الدولة. وهذه الوظائف لا يشغلها إلا من كَمَلَ تدريبهم ليعملوا في الإدارة، وإذا قيل من باب الاعتراض على هذا، أن صرف الموظفين من الخدمة على هذا الوجه، يحمّل خزانة الدولة عبئاً مالياً، أجبت، أولاً بأن المصروفين من الخدمة سيهيّأ لهم من الأعمال في المصالح الخاصة خارج الحكومة ما يعتاضون به عما فقدوه من مرتب. وثانياً، عليّ أن ألفت النظر إلى أن جميع أموال الدنيا ستكون محتشدة في أيدينا، فلا تكون حكومتنا في النهاية هي التي تخشى أن تتحمل هذه النفقات.
وسلطتنا المطلقة تكون في مجرى هذه الأمور كلها على منطقٍ آخذٍ بعضه برقاب بعض، اطرادا وانسجاماً، فيتلقى الشعب أوامرنا الباتَّة الصفة في كل قضية، بغاية الرضى والقبول، وينفذ إرادتنا إلى غايتها دون اعتراض، ولن نقيم وزناً لأي شكوى أو تململ، فإذا ظهر شيء من هذا فنسحقه توّاً، ونستأصله بالمجازاة الصارمة.
وسنلغي حق الاستئناف لصاحبه. وإنما نجعله في خيارنا – تحت نظر الحاكم، إذ لا ينبغي أن ندع الاعتقاد يسري في الأذهان أن لا طريق لتصحيح الخطأ الذي يقع فيه القاضي، والقاضي هو من قِبَلِنا، ونحن أقمناه ليقضي في الناس. فإذا ما وقع في هفوة، فنحن برفع القضية من تلقاء أنفسنا إلى مراجعها العالية، ولكننا نأخذ القاضي بعقاب عنيف، ليكون أمثولةً وعبرة، وحتى لا يقع في الخطأ مرةً أخرى…وعليّ أن أكرّر أننا سنكون محيطين علماً بكل ما يجري في الجهاز الإداري إحاطة تامة، لنأمن العثرات، فيطمئن الشعب إلى حكمنا ويسكن، ومن حقه أن يطلب من الحكومة الفاضلة موظفاً فاضلاً.
وستكون حكومتنا متشحة بمظهر الوصاية الأبوية على الشعب، ويتمثل هذا في شخص الحاكم الأعلى، وسيدرك شعبنا ورعيتنا هذا الحنان الأبوي في كل مصالحهم وأعمالهم، وفي مجرى كل العلاقات الشعبية المتبادلة بين واحد وآخر، ومجرى العلاقات التي بين الشعب والحاكم. وهذا ما سيشربهم العقيدة أنهم لا غنى لهم عن استظلال ظل هذه الوصاية الأبوية، إذا شاءوا أن يعيشوا بسلام وهدوء، وسيعترفون بفضائل الأوتوقراطية في حاكمنا، بإجلال كاد يكون تأليهاً، ولا سيما عندما يقتنعون بأن الذين نصبناهم عمّالاً عليهم من عمَّال الدولة، لن يتبعوا الهوى أو آراءهم الخاصة، بل دأبهم أن ينفّذوا إرادة صاحب السلطة العليا كما تملى عليهم. وكذلك سيسر الشعب ما أحدثناه له من تنظيم أمور حياته ورعاية مصالحه، فصنعنا له ما يصنع الأب الحكيم نحو أولاده من تربيتهم على حب الواجب والطاعة. فإن شعوب العالم من جهة وقوفها على أسرار دولتنا، كانت عبر التاريخ لكه بمثابة القاصر الذي لم يبلغ الرشد، وكذلك كانت حكوماتها.
وكما تعلمون، فإني أبني سلطتنا الفردية المطلقة على قاعدتي الحق والواجب والحق هو الإجبار على تنفيذ الواجب كما رسمته الحكومة باعتبار الأبوّة التي لها على الشعب. فلها حق القوي تستعمله في توجيه الإنسانية نحو هذا النظام الذي حدّدته الطبيعة وعرفته بأنه الخضوع. وكل شيء في العالم معناه الخضوع، وإذا لم يكن هذا الخضوع للإنسان فهو للأحوال والظروف، أو للقوة الذاتية في الشيء نفسه، وعلى كل اعتبار يكون الخضوع للقوة التي تسيطر عليه. ولذلك نقول إننا سنكون نحن هذه القوة المسيطرة من أجل الخير.
ولا نتردّد في تضحية الأفراد الذين يخالفون النظام القائم، ففي العقاب الصارم ينزل بالمخالف ما يعطي درس التعليم.
ومتى ما وضع ملك إسرائيل على رأسه المقدس التاج الذي تقدمه إليه أوروبا، فإنه يصبح أباً للعالم، والضحايا الذين تقضي المصلحة بتضحيتهم، ولا مهرب من هذا، لن يماثل عددهم عدد الضحايا الذين سقطوا في خلال القرون الماضية بسبب تهالك حكومات الغوييم على الأباطيل والتباري من أجل الأبهة الفارغة، وسيكون ملكنا على اتصال دائم بشعوبه، ملقياً عليهم من على منبره الخطب التي في ساعة إلقائها يتردد صداها في العالم كله.
البروتوكول السادس عشر
تعقيم برامج التعليم في الجامعات – ماذا يحلّ محل الكلاسيكيات – التدريب والمهن – التبشير بسلطة الحكم الجديد في المدارس – إلغاء حرية التعليم – النظريات الجديدة – استقلال الفكر – التعليم على أسلوب "دروس الأشياء"
إنه كلي يتم لنا تخريب جميع القوى التي تعمل على تحقيق الانسجام الفكري، والتضامن الاجتماعي، ما عدا قوانا نحن، علينا أن نبدأ بتفكيك حلقات المرحلة الأولى من هذا وهي الجامعات. والطريقة، أن ننقض وننفض أساليب التعليم من أساسها، ونُفْرِغَها في أساليب جديدة وتوجيه حديث. والأساتذة والقائمون بالوظائف التعليمية، يُهيّأون تهيئةً خاصة وفق برامج سرية عملية، ويُقيدون بها بشدة، حتى لا يسوغ لأحد منهم أن يحيد عنها قيد شعرة. ويدقق في اختيارهم وانتقائهم بكل عناية، فإذا ما شرعوا في أعمالهم باتوا ومستندهم الحكومة، ولا انفكاك لهم بعد.
وسَنخْرج من مادة التعليم الجامعي دستور الدولة وكل ما يمت إليه وإلى المسائل السياسية بصلة. غير أن هذه الموضوعات يقصر تعليمها على بضع عشرات من الذين يُختارون من الطلاب اختياراً لتفوقهم في الذكاء، وبهذا تقف الجامعات عن أن تقذف إلى العالم كل سنة بطائفة بعد طائفة من المخنثين الذين ينطلقون بخفةٍ لتلفيق المخططات الدستورية ورسم المشروعات الهوائية، راقصين حول هذا كأنهم على مسرح في رواية مضحكة أو مأساة، يتلهون بمناقشة موضوعات هي فوق مداركهم، ولم يسبق لآبائهم أن حذقوا شيئاً من دقة الفكر.
وتعريف الجمهرة من الناس تعريفاً سيئاً ملتوياً، بشؤون الدولة ومسائلها، وهم يأخذون هذا بعقول فَجَّة، أمرٌ لا ينتج عنه سوى العنصر الذي يركبه الهوس والخيال، يرافقه المواطن الرديء السيرة، ويسهل عليكم ملاحظة المثال على هذا، في ما برونه من نتائج التعليم الشائع اليوم في العالم بين الغوييم. فالواجب الذي علينا هو أن ننقلهم إلى حيّز تعليمٍ آخر، يتعلمون فيه جميع المبادئ والقواعد والأصول، مما كان رائعاً في نسف نظامهم. ولكن متى ما تسلمنا نحن زمام الحكم والسلطة، ستزيل من المناهج كل موضوع شائك مقلق، ونجعل من الشباب شباباً طائعين للسلطة، محبين للحاكم، يرون في حكمه العون والأمل في بيئة السلام والطمأنينة.
وأمَّا تدريس الآداب والفنون الكلاسيكية (منذ عهد اليونان والرومان) وكذلك تدريس التاريخ القديم، مما أمثلته تدلُّ على أن ضرره أكثر من نفعه، فهذا كله سنذهب به، ونضع محله تدريس برامج المستقبل. وسنمحو من أذهان الناس جميع ما وعته من وقائع القرون الخالية، مما لا نرى فيه الخير لنا، ولا نبقي إلا على ما يسجل المزالق على حكومات الغوييم. وما يحتل المكان الأول في برامج التعليم الجديدة، تدريس أصول الحياة العملية، والواجب نحو النظام، ونحو علاقات الناس بين بعضهم بعضاً، وفي التدريس المقبل نجتنب الأمثلة التي فيها صور الأنانية والانحراف، إذ في هذا تَكْمُن بذور الشر وعدواه، ثم يُعْتنى بكل عنصر من عناصر التهذيب والتقويم. والمناهج التعليمية تتوزع على مناحٍ مختلفة، بحيث يتعلق كل منهج بمنحى من مناحي الحياة على مراحل العمر كله، وأن نجعل التعليم يجري على نمط متماثل وله طابع متَّسق. وهذه المسألة هي غاية الخطورة ولها عندنا المقام الأول.
وكل مرحلة من مراحل العمر، تُضْبَط قواعدها على التحديد، ويُجعل مقابلها ما يناسبها من العلم في الحياة. وأما النبغاء الذين يظهرون متفردين في الذكاء، والآن وفي كل زمان، فلهم من ألمعيتهم ما يمكنهم من تخطي حدود المراحل في حلبة الحياة، ولكن من البلية على هؤلاء المشرقين اللامعين أن يزاملهم من رفقائهم مَنْ حظه البلادة وفقر الموهبة، فيحاول هؤلاء المناكيد مزاحمة من هو أفضل منهم وامتاز عليهم بحكم الفطرة أو الجدارة في إتقان العمل. ولا يخفى عليكم ما أصاب الغوييم من نكبة بسبب ضلالهم في هذا الأمر.
ومن تصدى للحكم، وابتغى أن يكون له في قلوب الرعية مكانةُ وطيدة، وفي أذهانها صورةُ جميلة، وجب عليه بالضرورة، ما دام يمارس واجباته، أن يطلق الأمة جمعاء بكل وسيلة، في المدارس والساحات العامة، على ما هو بسبيله من مقاصد وأعمال، وما يهدف إليه من خير شامل في نشاطاته.
وسنلغي حرية التعليم في جميع الوجوه. فالمتعلمون، وكل فريق منهم يتبع مرحلة من المراحل، يكون لهم الحق أن يجتمعوا مع آبائهم وأهليهم في أماكن عامة كاجتماعهم في منتدى. وفي هذه الاجتماعات أيام الاستراحة، يقوم الأساتذة الموكول إليهم الأمر، بقراءة مواد تجري مجرى الخطب والمحاضرات، مجانية، تتناول العلاقات الإنسانية والقوانين مع الشواهد والأمثلة، كما تتناول شرح القيود والنواهي المتولدة من الصلات اللاشعورية بين الناس، وأخيراً فلسفة النظريات الجديدة التي لم تعلن بعد إلى العالم. وهذه النظريات سنعلي من شأن قيمتها إلى حدّ أن ينيلها من جدّ الاعتبار ما للعقائد في الأديان، وهذا يقع في دور الانتقال نحو الوصول إلى ديننا في النهاية.
وإذ قد فرغت من عرض برامجنا العملية للحاضر والمستقبل، فإني أتلو عليكم الآن مجمل القواعد لتلك النظريات.
وبكلمة موجزة، إننا نعلم بالتجربة لعدة قرون، أن الشعب إنما يعيش على الآراء ويهتدي بها، ويرتضع هذه الآراء عن طريق التعليم الذي يدارج مراحل الحياة. وهنا يختلف معنا الأمر من جهة أساليب التعليم وطرقه. فنحن بهذا الاختلاف في الأساليب، سنلاشي القديم إلى آخر أثرٍ من آثاره، ونحصر زمام التعليم بأيدينا، فلا يبقى خيط من خيوط الفكر المستقل إلا وطرفه بيدنا، وهو ما كنا نستعمله سابقاً لاستمالة الشعوب واجتذاب أفكارها.
وأسلوب التعليم المُلْجِم للعقول، والطامس على الأذهان، مُطَبّقٌ اليوم في المنهج المعروف بدروس الأشياء Object Lessons وهذه الطريقة غايتها إخمال أذهان الغوييم ودفعها نحو البلادة والاسترخاء، تنتظر أن يؤتى إليها بالأمثلة من الأشياء المحسوسة، جاهزة الشكل لتعرف ماهيتها بالصورة المشاهدة (بدلاً من أعمال الفكرة)…وفي فرنسا نرى أن هذه الطريقة قد نجحت كل النجاح حيث نرى أفضل عملائنا من البورجوازية قد وضعوا لها المناهج العامة ومشوا عليها.
البروتوكول السَّابِع عَشر
المحاماة القضائية – نفوذ رجال الدين عند الغوييم – حرية الضمير – البلاط البابوي – ملك اليهود محل "الأب البابوي" – كيف نكافح الكنيسة الحالية – واجبات الصحف في هذا العصر – منظمة البوليس – البوليس المتطوع – التجسس على منوال التجسس عند منظمة "القبالا" – سوء استعمال السلطة
إن ممارسة المحاماة تنتج رجالاً بردت طباعهم وقست قلوبهم، اعتادوا الإلحاح واللجاجة، ونزل اللؤم من أخلاقهم منزلةً ملحة، ولا يهمهم في كل القضايا والدعاوي إلا أن يتعلقوا بنقطة من نقاط القانون مطاطة غامضة، يدورون حولها دوراناً طويلاً. يحللون كل شيء من حق وباطل، ليسوّغوا وجهة نظرهم في الدفاع عن موكلهم، لا ليخدموا المصلحة العامة التي تهم المجتمع. لا يترددون أبداً في اقتحام أي موقف منحرف من أجل غايتهم هذه، ويطلبون إخلاء سبيل المتهم والبراءة له، متهالكين متماحكين، حول كل جزء قليل من نص، عابثين بهيبة العدالة. وهذا ما يدعونا إلى أن نجعل مهنتهم في نطاق ضيق، ضابطاً لها، يحفظ كرامتها، ويدخلها في حيّز السلطة الإجرائية التنفيذية، حرصاً على المصلحة العامة. فالمحامون (على سوىّ القضاة)، سيمنعون من حق التعاطي مع فريقَيْ الدعوى، وعليهم أن يقوموا بالعمل الذي تعيّنه لهم المحكمة، فيدرسون ذلك ويضعون عليه التقارير مسنودة بالوثائق المثبتة، ثم يدافعون عن موكلهم بعد أن يكون قد استجوبته المحكمة في الوقائع المادية في الدعوى، وتقدر المكافأة للمحامي على "أتعابه" دون نظر إلى قيمة الدفاع الذي أدلى به، وهذه الطريقة تجعله مجرد واضع بيانات موضحة، تتعلق بالأعمال القضائية والمحاكم، لمصلحة العدالة، فيكون في هذه الكفة من الميزان كمساعد للنائب العام في الكفة الأخرى، وهذا كله من شأنه أيضاً أن تختصر به المعاملات لدى المحكمة، وتقام قواعد شريفة لمهنة الدفاع على غير جَنَف ولا محاباة، والهادي في هذا ليس ما في نفس المحامي من مطمح لجرّ المغنم إلى جيبه، بل وحي الضمير النقي. وهذه الطريقة ستقضي على ما نرى اليوم من فساد مداره المساومة بين المحامين متواطئين تواطئاً مؤدّاه الذهاب مع الفريق الذي ينالون منه مغنماً أوفر لجيوبهم.
وقد سبق لنا فيما مضى من الوقت أن بذلنا جهداً لإسقاط هيبة رجال الدين عند الغوييم، وقصَدْنا بذلك أن نفسد عليهم رسالتهم في الأرض، وهي الرسالة التي يُحْتَمَل أنها لا تزال بنفوذها عقبةً كؤوداً في طريقنا. ولا نرى هذا النفوذ في الوقت الحاضر إلا في تناقض يوماً بعد يوم. أما حرية الضمير فقد انتشرت وعمّت في كل مكان، وبتنا الآن لا يفصلنا عن رؤية الدين المسيحي قد انهار انهياراً تاماً، سوى بضع سنين.
أما ما يتعلق بالأديان الأخرى، فالصعوبة التي سنلاقيها في تعاملنا معها، تكون أقل، ولكن من السابق لأوانه أن نتكلم عن هذا الآن. وسنضيق الحلقة على الكهنوتية ورجال الكهنوت، لنجعل نفوذهم ينكمش ويرجع القهقرى بالقياس إلى ما كان لهم من فلاح في الماضي.
ومتى حان الوقت لهدم البلاط البابوي، ستظهر إصبع يدٍ خفية تشير إلى الأمام نحو ذلك البلاط. فإذا ما انقضًّت الأمم عليه، سنخفُّ ونسارع إليه تحت ستار الدفاع عنه، رغبة في حجب الدماء. وبهذه اللعبة، سنوغل أيدينا في أحشائه ولن نخرجها بعد، حتى تتبدد قواه ولا حراك به.
ثم يكون ملك اليهود هو البابا الحقيقي للمسكونة كلها، وبطريرك كنيسة دولية عالمية.
وفي خلال هذا الوقت، ونحن نعلّم الشباب وننهج بهم على تقاليد دينية جديدة، تمهيداً للوصول بعد ذلك إلى ديننا، لن نحرك ساكناً تحريكاً مكشوفاً، معكراً على الكنائس الحالية، بل نكتفي من قتالنا لها بشنّ حملات الانتقاد الهدَّام، مما يؤدي إلى الانشقاق والفرقة.
وعلى الجملة، وما يصحُّ قوله الآن، ينبغي أن تستمر صحافتنا المعاصرة في شن حملات النقد اللاذع على الدول في أعمالها، وعلى الأديان، وعلى ما يتردًّى فيه الغوييم من عجز وضعف، وينبغي أن تكون لهجة الحملات بالغة حد العنف، خارجة عن آداب الخطاب، حتى تتواطأ الوسائل كلها في إضعاف الهيبة وتهشيمها، وهذا الأسلوب لا يتقنه إلا النابغون من رجال قبيلنا المخصوص بالمواهب.
وستكون مملكتنا دفاعاً عن ألوهية "فيشنو" 1 الذي فيه قد تجسمت صورة الألوهية - وسنقبض بالمئة يد ويد أيدينا على كل زمام من أزمة جهاز الحياة الاجتماعية، وسننفذ بأبصارنا إلى أن نرى كل الخفايا، بلا استعانة بالبوليس الرسمي، إذ لا حاجة بنا إليه، لأنه مع ما له من حق التدخل، وهذا ما أحكمنا نحن تهيئته له، وتجهيزه به من أجل العمل بين الغوييم، بات عمله لا يناسبنا لصيرورته عائقاً في طريق الحكومات. وتقضي برامجنا، بأن يعمل ثلث الشعب في التجسس على الثلثين الآخرين، ويكون التجسس منبعثاً عن الشعور بالواجب وعلى قاعدة التطوع بالخدمة في سبيل الدولة، ووقتئذٍ لا يكون من العار أن تكون جاسوساً ومخبراً، بل يكون ذلك مزية وفضلاً، فإذا انطلقت ألسنةٌ بالتعبير والقذف، نالت جزاءها، وحُفِظًتْ للتجسس كرامته.
وسننتقي جواسيسنا من مختلف الطبقات، العليا والسفلى، ومن رجال الإدارة العاكفين على اللهو والأطايب، ومن محرري الصحف والكتّاب، والناشرين، وباعة الكتب، وموظفي الدوائر والدواوين، ومن الذين كثر اختلاطهم بالجمهور عي طريق الأخذ والعطاء، والبيع والشراء، ومن العمّال والسوّاقين والخدَّام والأتباع، وقس على هذا. وهؤلاء الأشخاص، وليس لهم حق اتخاذ أي إجراء يتعلق بموضوعات تقاريرهم، ولا صلاحية لهم في هذا على الإطلاق، كأنهم بوليس بلا سلطة، فإن المطلوب منهم هو أن يشاهدوا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم، وينظموا التقارير بما شاهدوا وسمعوا. أما التأكد من صحة ذلك، وإلقاء القبض، فكل هذا معهود فيه إلى نفر مسؤول حاذق من ضباط البوليس. وأما تنفيذ أوامر إلقاء القبض فيقوم به رجال الدرك والشرطة البلدية.
وكل شخص رأى أو سمع مساساً بقضايا الحكومة ولا يبلغ الحكومة ذلك، يتهم بإخفاء المعلومات التي يجب عليه نقلها إلى الحكومة ويحكم عليه بالجزاء إذا ثبتت التهمة.
وكما تجري الأمور من هذه الناحية الإخبارية في بيئتنا اليوم، كذلك تجري في المستقبل وتبقى على صفتها هذه. فإخواننا اليوم مكلفون تحت طائلة أخذهم بالمسؤولية والحساب العسير في حالة الإهمال والتقصير، بأن يبلغوا هيئة القبالا 2 عما يقع لهم أن يطلعوا عليه من حوادث الارتداد عن الدين اليهودي من أبناء أقربائهم، أو ما يرونه من شغب على هيئة القبالا أو قذفها بتهمة! كذلك سيكون الأمر في مملكتنا علناً في أرجاء العالم كله، ويمسي من الواجب على رعايانا، بلا استثناء، ملاحظة هذه الخدمة للدولة.
وإن إرادة من هذا النوع والصفة، بوسعها أن تكافح أعمال العبث بالسلطة، ومخالفة القانون، والرشوة، وكل شيء أدخلناه بموجب نصائح حكمائنا على عادات الغوييم من مفاسد، عن طريق نظريات حقوق الإنسان العليا. وعلينا الآن أن نسأل: بأي وسيلة استطعنا أن نُكْثر من خلق الأسباب المؤدية إلى الاختلال والانتقاض في حكومات الغوييم؟ من تلك الوسائل واحدة كانت الفعالة، وهي اتخاذ العملاء والجواسيس، فنأتي بهم بدعوى أن مهمتهم العمل على إعادة النظام، والحق إلى نصابه، وبفضل ما اخترنا لهم من مناصب مناسبة، يغتنمون الفرصة في بث أسباب الانتقاض وقدح الزناد، ويمارسون في هذا أسوأ ما ركّز فيهم من خلق مخرب، وعناد، وغرور، واستعمال السلطة بغير مسؤولية، وأشنع من هذا كله – استقتالهم في حب المال.