بحر الرومنسية
05-17-2007, 07:22 PM
سعدت، مساء الخميس الفائت، مع حشد لا يستهان به في غزة، بمشاهدة الفيلم التسجيلي الأخير للمخرج رشيد المشهراوي (أخي عرفات). كان ذلك في مسرح مستشفى الهلال الأحمر الفلسطيني الذي شيده الراحل د. فتحي عرفات. وغني عن القول ان مادة الفيلم هي معاناة قطاع واسع من الشعب الفلسطيني من جور الاحتلال، اما موضوعه المباشر فهو شهادة د. فتحي عرفات شخصيا على عمر شقيقه القائد الرئيس ياسر عرفات.
وأن تفتح الملف الذي يشغله ابو عمار، يعني ان تفتح الملف الفلسطيني. فنحن امام حالة نادرة من التاريخ، يتماهى فيها القائد مع الوطن، حتى تتحول سيرة هذا الى مقطع من سيرة ذاك. فكلاهما بكليهما مصهور، على حد قول الشاعر.
الا ان فيلم رشيد المشهراوي، بدءا بعنوانه،لا يدعونا الى درس في التاريخ او محاضرة في السياسة، بل يسرد بلهجة مرئية آسرة علاقة أخوين في العقد الثامن، ربطهما فقد الأم والوطن والترحال في جهات الأرض. يملك احدهما الحلم الكبير بالتحرير ويملك الثاني الايمان بحلم اخيه الذي سرعان ما اصبح حلمه الشخصي. والشقيقان في حالة احتضار. بل كنا نشاهدهما في ايامهما الاخيرة ووسيلة الاتصال بينهما هي المكالمات الهاتفية، الا من لقاء يتيم على مائدة ابي عمار - في المقاطعة، تحت الحصار - لتناول الافطار في رمضان. وحتى يكتمل الفراق لا المفارقة يؤخذ ابو عمار الى باريس في محاولة اخيرة لتأجيل الوفاة، الا انه يعود محمولا على ايدي مئات آلاف الفلسطينيين وفي قلوبهم، ثم يتوفى فتحي بعد اقل من اسبوعين، فلا يعلم احدهما برحيل شقيقه وشبيهه. وتستمر فلسطين على ايقاع الثورة التي فجرها الأخ الكبير في الاول من الشهر الاول للعام .۱۹۶۵
عصف رشيد المشهراوي بقواعد اللعبة السينمائية. فكانت التلقائية سيدة الموقف. ولم تبخل الشفافية بالاسرار. فلا مسكوت عنه في الدقائق الخمسين التي مرت كأنها خمس او اقل: المعاناة في المعبر، الزحام المميت، الشكوى، التذمر، النقد. والعناد ايضا والعناد دائما. ود. فتحي يفتح راحته التي قشرها المرض فتأخذ الممرضة عينة من فتائل البشرة بالمقص، والطبيب الصيني يخز بالابر، اما هو فيدهن باطن قدمه بالمرهم وهو مستغرق في شهادته على تجربة أخيه. منذ الطفولة عندما كان يختار طعام الأسد ويفضله على طعام الخراف. الى لعبة القتال، الى مواصلة الدراسة في القاهرة وتولي مهمة رئيس اتحاد طلبة فلسطين، الى العمل مع الفدائيين المصريين فخدمة العلم في الجيش المصري والاشتراك في معركة صد العدوان الثلاثي، وصولا الى لحظة المقاومة الفلسطينية واستحقاق الحصار. وخلال هذه الشهادة التي يسردها د. فتحي على مراحل، يتوزع رشيد المشهراوي شخصيا بين المعبر والقاهرة وغزة ورام الله، وفي كل وصول تكمن معاناة ويتفجر عذاب. اما مدينته يافا فهي في القلب وان لم يرها. لقد انجبه اهله بعد النكبة في معسكر الشاطئ الغزي. وهو في انتقاله من المعسكر حيث ولد الى بيته في رام الله، انما يقوم بما يشبه اجتراح المعجزة.. أليست رحلة معاناة هذا الشعب، هي سيرة عرفات التي يسردها فتحي بالقول: أخي عرفات؟ وهل خطر لرشيد وفتحي معا انهما كانا يسردان قصة نحن فيها. فهذا ابونا عرفات حتى ليحق لي ان اتوجه الى د. فتحي بالخطاب:
يا عمّ، أنت أخوه،
لكن كلنا أبناؤه
وأن تفتح الملف الذي يشغله ابو عمار، يعني ان تفتح الملف الفلسطيني. فنحن امام حالة نادرة من التاريخ، يتماهى فيها القائد مع الوطن، حتى تتحول سيرة هذا الى مقطع من سيرة ذاك. فكلاهما بكليهما مصهور، على حد قول الشاعر.
الا ان فيلم رشيد المشهراوي، بدءا بعنوانه،لا يدعونا الى درس في التاريخ او محاضرة في السياسة، بل يسرد بلهجة مرئية آسرة علاقة أخوين في العقد الثامن، ربطهما فقد الأم والوطن والترحال في جهات الأرض. يملك احدهما الحلم الكبير بالتحرير ويملك الثاني الايمان بحلم اخيه الذي سرعان ما اصبح حلمه الشخصي. والشقيقان في حالة احتضار. بل كنا نشاهدهما في ايامهما الاخيرة ووسيلة الاتصال بينهما هي المكالمات الهاتفية، الا من لقاء يتيم على مائدة ابي عمار - في المقاطعة، تحت الحصار - لتناول الافطار في رمضان. وحتى يكتمل الفراق لا المفارقة يؤخذ ابو عمار الى باريس في محاولة اخيرة لتأجيل الوفاة، الا انه يعود محمولا على ايدي مئات آلاف الفلسطينيين وفي قلوبهم، ثم يتوفى فتحي بعد اقل من اسبوعين، فلا يعلم احدهما برحيل شقيقه وشبيهه. وتستمر فلسطين على ايقاع الثورة التي فجرها الأخ الكبير في الاول من الشهر الاول للعام .۱۹۶۵
عصف رشيد المشهراوي بقواعد اللعبة السينمائية. فكانت التلقائية سيدة الموقف. ولم تبخل الشفافية بالاسرار. فلا مسكوت عنه في الدقائق الخمسين التي مرت كأنها خمس او اقل: المعاناة في المعبر، الزحام المميت، الشكوى، التذمر، النقد. والعناد ايضا والعناد دائما. ود. فتحي يفتح راحته التي قشرها المرض فتأخذ الممرضة عينة من فتائل البشرة بالمقص، والطبيب الصيني يخز بالابر، اما هو فيدهن باطن قدمه بالمرهم وهو مستغرق في شهادته على تجربة أخيه. منذ الطفولة عندما كان يختار طعام الأسد ويفضله على طعام الخراف. الى لعبة القتال، الى مواصلة الدراسة في القاهرة وتولي مهمة رئيس اتحاد طلبة فلسطين، الى العمل مع الفدائيين المصريين فخدمة العلم في الجيش المصري والاشتراك في معركة صد العدوان الثلاثي، وصولا الى لحظة المقاومة الفلسطينية واستحقاق الحصار. وخلال هذه الشهادة التي يسردها د. فتحي على مراحل، يتوزع رشيد المشهراوي شخصيا بين المعبر والقاهرة وغزة ورام الله، وفي كل وصول تكمن معاناة ويتفجر عذاب. اما مدينته يافا فهي في القلب وان لم يرها. لقد انجبه اهله بعد النكبة في معسكر الشاطئ الغزي. وهو في انتقاله من المعسكر حيث ولد الى بيته في رام الله، انما يقوم بما يشبه اجتراح المعجزة.. أليست رحلة معاناة هذا الشعب، هي سيرة عرفات التي يسردها فتحي بالقول: أخي عرفات؟ وهل خطر لرشيد وفتحي معا انهما كانا يسردان قصة نحن فيها. فهذا ابونا عرفات حتى ليحق لي ان اتوجه الى د. فتحي بالخطاب:
يا عمّ، أنت أخوه،
لكن كلنا أبناؤه