ارال
03-05-2007, 11:41 PM
ذهبت لأقدّم لها العزاء ,أعزّيها بوفاة رفيق عمرها و زوجها الّذي قضت معه قرابة الخمس وخمسين عاماً.
ذهبت لأعزيها بوفاة إنسان ترك بصمةً لن تمحَ من حياتي ,, وعلّمني الكثير.
حين سمعت نبأ وفاته تألّمت كثيراً , بكيت , تاهت إحساساتي.
دخلت غرفتي , جلست وحيدة , حاولت أن أتمالك نفسي ,لجأت للصلاة والدّعاء له بالرّحمة والغفران ولمن أحبّه بالصبر , دعوت له كل ما حفظته من أدعية وما نطقه قلبي منها.
قلت في نفسي قد تكون إشاعة ... لم أُرد أن أُصدّق .
حاولت الاتّصال على هاتف المنزل ولم أتمكن...اتّصلت على جواله:
الصّوت:ألو
(آه هذا صوته) دقّ قلبي بشدّة أأحلم!!!
الصّوت ثانيةً: ألو من يتكلّم؟
-عفواً أليس هذا رقم (-----)
-الصّوت: نعم
-من حضرتك ألست هو
الصّوت: كلا أنا ابنه
- هل النّبأ الّذي سمعته صحيح؟
- الصّوت : أجل.
- قلت بصوتٍ يكاد يغيب: (البقيّة في حياتك) رحمه الله.
- شكرأ
- إلى اللقاء.
* * *
نظرت حولي وجدت صوراً للوحات المرحوم ملصقةً على جدران غرفتي وخزانتي , لم أكن قد انتبهت قبل ذلك إلى أنها موجودة وأنني كنت ألصقها الواحدة تلو الأخرى على مرّ ست سنين.
شوقٌ كبيرٌ دفعني لقراءة رسائله ,أخرجتها وقرأت إحداها (عزيزتي النّقيّة نقاء قطرات المطر في كبد السماء.....)ملأت الدّموع عيناي فلم أستطع إكمالها, كان غصّة حزنٍ ممزوجة بالألم تكاد تخنقني.أُريد التّوقف عن التّفكير بوفاته ,,عليّ أن أهدأ ....فأنا الآن في فترة امتحان ,وهو علّمني أن أكون قويّة و واعية ,مادتي الأولى في السّنة الثالثة بعد خمسة أيام وهي مادّة مهمّة (أصول محاكمات مدنيّة).
حاولت الدّراسة......صممت أن أتوقّف عن البكاء وأدرس تذكّرت نتائجي السابقة وفرحي بها , ومسارعتي لإخباره بها , وتشجيعه لي ,تذكّرت تصميمي أن أكون عند ثقة هذا الإنسان العظيم , وتنفيذ كلّ كلمة مديح أو تشجيع لشخصيتي عن طريق أعمالي وتصرّفاتي.
لكن.......
أين هو الآن ؟؟؟؟
أين هو لأقول له أن لك فضلا كبيراً عليّ ,وأنّك الدّاعم النّفسي لنجاحي.
أين هو لأخبره أني قد قررت أن أجتهد لآخذ شهادة الدّكتوراه , الّتي طالما شجّعني على التّفكير بها.
هل سأفرح بعد اليوم .....
طبعاً لكنّ آلامي وحزني تجعل حتّى التّفكير بإمكانيّة الفرح مستحيلة.
أغلقت محاضراتي, وقررت السّفر إلى دمشق لتقديم العزاء لزوجته.
سافرت إلى الحبيبة دمشق وأنا أرتدي الثّياب السوداء الّتي أرتديها للمرّة الأولى في حياتي, تأملت وجوه النّاس بشرودٍ , تتبّعت بنظري الطّريق الطّويل الّذي لم يسبق لي أن ألاحظه لانشغالي بمتابعة الفيلم الّذي يعرض عادةً في البولمان.
فكّرت.....كيف سأسلّم على الخالة الوقورة؟؟؟
ماذا سأقول لها؟يجب ألا أبكي ,لكن إن خانتني دموعي وتسرّبت مع سماع تلاوة القرآن الكريم , ورؤية الخالة أم----وصورته الّتي بالتأكيد ستكون معلّقة وسط صالة تقديم العزاء.
ما فكرت به جعلني أعاود البكاء بصمتٍ وهدوء وأنا أتذكّر صورته الّتي نقلتني للقاءاتنا وكلماته وتصرّفاته الّتي تشكّل دروساّ إنسانيّة لكل من يتعامل معه..
* * *
وصلت دمشق...
كلّمت سماءها الّتي كانت تبكي ,, كلّمت طرقاتها وأرصفتها:
ما بك يا دمشقُ.......أحزينةٌ لحزني؟!
وحاراتك القديمة.....أتتألّم لألمي؟!
لا أرَ سوانا أنا وأنت يا دمشقُ...ولا أستطيع البوح إلا لك بما يختلج في داخلي.
أنت فقط بإمكاني ان أُسمعك صوت قلبي وروحي,وأوحّد دموعي مع دموعك لنبكيه .
استقلّيتُ سيارة أجرة وذهبت إلى منزله(رحمه الله) حيث كانت تعزية النساء, وصلت وكان البابُ مفتوحاً وصورة الفقيد بوجه الباب...نظرةُ إليها بشوقٍ وحزن,لقد كان يبتسم ابتسامته الطفوليّة المحبّبة .
<رحمك الله> قلتها وأنا أُحاول أن أكون ثابتة ومتماسكة.
دخلت وألقيت السّلام , ثمّ جلستُ قليلاً قرأت الفاتحة لروحه الطّاهرة,ولا أذكر ماذا كنت أقرأ حين أخبرتني إحدى منظّمات العزاء أنّ عليّ الخروج إن انتهيت من قراءة الفاتحة والمعوّذات.
قلت بتردّد خوفاً من دموعي الّتي لا تطيعني بالبقاء داخل غدّتها:لو سمحت أريد أن أُسلّم على الخالة أم ---
الفتاة: تفضّلي
في قلبي اللهمّ خر لي واختر لي ولا تكلني لنفسي طرفة عين.
(يارب ساعدني حتّى أعرف أتصرف)
صافحتها وقدّمت لها العزاء
البقيّة في حياتك خالة أم----
-الخالة الوقورة وقفت بجسدها المثقل بالحزن وقالت بابتسامة أصابتني بالذّهول:
(أهلا حبيبتي ليش عذّبتي حالك وسافرتي ,كيفون بابا وماما سلميلي عليهم,فرحت بشوفتك)
لم أعد أذكر إن كنت أُجيبها أم لا فقد كنت أقول في داخلي :ما أعظمك ! ماأروعك !حماك الله.
* * *
ما أعظمك يا خالة أم ---- حتّى وأنت في أحلك أيامك حزناً وألماً تعلّميني درساً عمليّاً كما كان يفعل رفيق دربك,وقتها عرفت معنى:( أعظم النّاس من يبتسم والدّموع تملأ قلبه).
لقد كان عزائي لها عزاء لي...
وكانت ابتسامتها ..مساحة أمل و ربيع خففت كثيراً من ألمي.
ذهبت لأعزيها بوفاة إنسان ترك بصمةً لن تمحَ من حياتي ,, وعلّمني الكثير.
حين سمعت نبأ وفاته تألّمت كثيراً , بكيت , تاهت إحساساتي.
دخلت غرفتي , جلست وحيدة , حاولت أن أتمالك نفسي ,لجأت للصلاة والدّعاء له بالرّحمة والغفران ولمن أحبّه بالصبر , دعوت له كل ما حفظته من أدعية وما نطقه قلبي منها.
قلت في نفسي قد تكون إشاعة ... لم أُرد أن أُصدّق .
حاولت الاتّصال على هاتف المنزل ولم أتمكن...اتّصلت على جواله:
الصّوت:ألو
(آه هذا صوته) دقّ قلبي بشدّة أأحلم!!!
الصّوت ثانيةً: ألو من يتكلّم؟
-عفواً أليس هذا رقم (-----)
-الصّوت: نعم
-من حضرتك ألست هو
الصّوت: كلا أنا ابنه
- هل النّبأ الّذي سمعته صحيح؟
- الصّوت : أجل.
- قلت بصوتٍ يكاد يغيب: (البقيّة في حياتك) رحمه الله.
- شكرأ
- إلى اللقاء.
* * *
نظرت حولي وجدت صوراً للوحات المرحوم ملصقةً على جدران غرفتي وخزانتي , لم أكن قد انتبهت قبل ذلك إلى أنها موجودة وأنني كنت ألصقها الواحدة تلو الأخرى على مرّ ست سنين.
شوقٌ كبيرٌ دفعني لقراءة رسائله ,أخرجتها وقرأت إحداها (عزيزتي النّقيّة نقاء قطرات المطر في كبد السماء.....)ملأت الدّموع عيناي فلم أستطع إكمالها, كان غصّة حزنٍ ممزوجة بالألم تكاد تخنقني.أُريد التّوقف عن التّفكير بوفاته ,,عليّ أن أهدأ ....فأنا الآن في فترة امتحان ,وهو علّمني أن أكون قويّة و واعية ,مادتي الأولى في السّنة الثالثة بعد خمسة أيام وهي مادّة مهمّة (أصول محاكمات مدنيّة).
حاولت الدّراسة......صممت أن أتوقّف عن البكاء وأدرس تذكّرت نتائجي السابقة وفرحي بها , ومسارعتي لإخباره بها , وتشجيعه لي ,تذكّرت تصميمي أن أكون عند ثقة هذا الإنسان العظيم , وتنفيذ كلّ كلمة مديح أو تشجيع لشخصيتي عن طريق أعمالي وتصرّفاتي.
لكن.......
أين هو الآن ؟؟؟؟
أين هو لأقول له أن لك فضلا كبيراً عليّ ,وأنّك الدّاعم النّفسي لنجاحي.
أين هو لأخبره أني قد قررت أن أجتهد لآخذ شهادة الدّكتوراه , الّتي طالما شجّعني على التّفكير بها.
هل سأفرح بعد اليوم .....
طبعاً لكنّ آلامي وحزني تجعل حتّى التّفكير بإمكانيّة الفرح مستحيلة.
أغلقت محاضراتي, وقررت السّفر إلى دمشق لتقديم العزاء لزوجته.
سافرت إلى الحبيبة دمشق وأنا أرتدي الثّياب السوداء الّتي أرتديها للمرّة الأولى في حياتي, تأملت وجوه النّاس بشرودٍ , تتبّعت بنظري الطّريق الطّويل الّذي لم يسبق لي أن ألاحظه لانشغالي بمتابعة الفيلم الّذي يعرض عادةً في البولمان.
فكّرت.....كيف سأسلّم على الخالة الوقورة؟؟؟
ماذا سأقول لها؟يجب ألا أبكي ,لكن إن خانتني دموعي وتسرّبت مع سماع تلاوة القرآن الكريم , ورؤية الخالة أم----وصورته الّتي بالتأكيد ستكون معلّقة وسط صالة تقديم العزاء.
ما فكرت به جعلني أعاود البكاء بصمتٍ وهدوء وأنا أتذكّر صورته الّتي نقلتني للقاءاتنا وكلماته وتصرّفاته الّتي تشكّل دروساّ إنسانيّة لكل من يتعامل معه..
* * *
وصلت دمشق...
كلّمت سماءها الّتي كانت تبكي ,, كلّمت طرقاتها وأرصفتها:
ما بك يا دمشقُ.......أحزينةٌ لحزني؟!
وحاراتك القديمة.....أتتألّم لألمي؟!
لا أرَ سوانا أنا وأنت يا دمشقُ...ولا أستطيع البوح إلا لك بما يختلج في داخلي.
أنت فقط بإمكاني ان أُسمعك صوت قلبي وروحي,وأوحّد دموعي مع دموعك لنبكيه .
استقلّيتُ سيارة أجرة وذهبت إلى منزله(رحمه الله) حيث كانت تعزية النساء, وصلت وكان البابُ مفتوحاً وصورة الفقيد بوجه الباب...نظرةُ إليها بشوقٍ وحزن,لقد كان يبتسم ابتسامته الطفوليّة المحبّبة .
<رحمك الله> قلتها وأنا أُحاول أن أكون ثابتة ومتماسكة.
دخلت وألقيت السّلام , ثمّ جلستُ قليلاً قرأت الفاتحة لروحه الطّاهرة,ولا أذكر ماذا كنت أقرأ حين أخبرتني إحدى منظّمات العزاء أنّ عليّ الخروج إن انتهيت من قراءة الفاتحة والمعوّذات.
قلت بتردّد خوفاً من دموعي الّتي لا تطيعني بالبقاء داخل غدّتها:لو سمحت أريد أن أُسلّم على الخالة أم ---
الفتاة: تفضّلي
في قلبي اللهمّ خر لي واختر لي ولا تكلني لنفسي طرفة عين.
(يارب ساعدني حتّى أعرف أتصرف)
صافحتها وقدّمت لها العزاء
البقيّة في حياتك خالة أم----
-الخالة الوقورة وقفت بجسدها المثقل بالحزن وقالت بابتسامة أصابتني بالذّهول:
(أهلا حبيبتي ليش عذّبتي حالك وسافرتي ,كيفون بابا وماما سلميلي عليهم,فرحت بشوفتك)
لم أعد أذكر إن كنت أُجيبها أم لا فقد كنت أقول في داخلي :ما أعظمك ! ماأروعك !حماك الله.
* * *
ما أعظمك يا خالة أم ---- حتّى وأنت في أحلك أيامك حزناً وألماً تعلّميني درساً عمليّاً كما كان يفعل رفيق دربك,وقتها عرفت معنى:( أعظم النّاس من يبتسم والدّموع تملأ قلبه).
لقد كان عزائي لها عزاء لي...
وكانت ابتسامتها ..مساحة أمل و ربيع خففت كثيراً من ألمي.