نبض الصفحات
01-25-2008, 11:41 PM
قبل أن نصلَ إلى جسر الرئيس، وتخنق ضوضاؤه أصواتَنا، لنلقِ نظرة على هذا المبنى الأبيض، شاهق الارتفاع والبشع جدّاً.
أقدّم لكَ يا عزيزي فندق "الفورسيزنز"... فخمٌ أليس كذلك؟ لا تنظر إليّ هكذا، لن نستطيع المبيت فيه، فعلاوة على أسعاره الكاوية كذلك لن أتخلّى عن مبادئي التي تتضمن كراهيةً لا توصف له.
هذا الفندق، قد اقتحم المنطقة كما اقتحم "غاليفر" أرض الأقزام، فأخلّ بالتوازن البصريّ والحجميّ لمدينتنا المرهقة، وأمام من يا أصحاب المعالي ورؤوس الأموال؟
أمام أيّ أمكنة تجرّأتم وجبلتم كتلتكم القبيحة هذه؟ أمام التكيّة السليمانية التي تستخدم جدرانها كمبولةٍ لحراّسها؟ أم أمام المتحف الوطني الذي تنزّهتم عن تخصيص مبالغ بسيطة جدّاً لإصلاحه وصيانته؟
هل من عاقلٍ في هذا العالم يمكن أن يصدّق أنّكم بنيتم "الفورسيزنز" وبجانبه "روتانا كافيه"، وعلى بعد خطوات منهما، تئنّ آثار الحضارة السوريّة، المتروكة في الهواء الطلق ضمن حديقة المتحف، لتتلاعب بها العناصر المتلفة والعوامل الجوية؟... لتحلّ بكم ألف لعنةٍ ولعنة!
بالمناسبة، ما رأيك بتناول الـ "كوفي" أو الـ"هوت شوكليت" في "روتانا كافيه"؟ لا ترفض بحجة الشفقة على ذوي الأظافر المتسخة الذين يأكلون "الفول النابت" على العرباية تحت جسر الرئيس! ولو... الدنيا مقامات...
لا أنكر أننا لازلنا متمسّكين أشدّ التمسّك بالهدف الثالث من أهدافنا الوطنية والقومية، لكن ما العمل؟ إنّها "روتانا كافيه"!
لنكمل الغناء:
إذا على بَـرَدَى حَـوْرٌ تأهَّل بي
أحسسْتُ أعلامَكِ اختالتْ على الشّهُبِ
ما هو بردى؟... أتجرؤ وتسأل ما هو بردى؟ هذا المجرور العظيم، ألا تتنشّق الرائحة العطرية النفاذة؟ ألا ترى هذه المياه الخضراء التي تجري رقراقة صافيةً؟
إليك عنّي... فأنت لا تعرف بردى! أو امشِ وأنت ساكت، لأننا وصلنا إلى ساحة الأمويين، وسأصلبك في وسطها إن لم تسكت.
إلى أين تريد الذهاب الآن؟ أبو رمانة والمالكي؟ طيب، لكن لا تطلب منّي الجلوس في أحد مطاعمها، فهي ليست صالحةً لفصيلة الفقراء والمحتاجين.
عرفتُ أنّك ستلاحظ هذه الظاهرة الغريبة في الأحياء الثرية، فالأطفال هنا يمشون مع أمهاتٍ قصيراتٍ نحيفاتٍ بشكل مخيف، وعيونهنّ مائلة ضيقة... برافو يا شاطر إنّها سمات العرق الأصفر.
علامَ الاستغراب يا صاحبي؟ هؤلاء النسوة لسنَ أمّهات، إنهنّ خادمات! ويوجد عددٌ لا بأس به منهنّ دون السنّ القانونية للعمل، تستقدمهنّ مكاتب التشغيل، و"تشتريهنّ" عائلات الهاي كلاس للخدمة في البيوت، ورعاية أولادٍ غالباً ما يكونون في أعمارٍ متقاربةٍ معهنّ!
لا تبحلق فيّ هكذا، نحن بلدٌ متخمٌ بالمحبة والسلام، واحترام حقوق الإنسان، فماذا لو تاجرنا قليلاً بلقمة غيرنا؟ لمَ لا نفتحُ المجال أمام تجارة الرّقيق الآسيوي لتزدهر عندنا كما ازدهرت عند سوانا؟ لا تغرنّّك مظاهر الفقر المدقع والبطالة المتفشية، فهذا كلّه "حكي جرايد"، يا أخي كيف سنتابع مسيرتنا التحديثية دون فتيات أندونيسيا والفيليبين وأثيوبيا... خلّيك أب تو ديت يا رجل!
هيا بنا إلى دمّر، فإنّي ألمح في عينيك نهماً لا يوصف لرؤية ما تغيّر فيها.
تستطيع تشبيه دمّر برأس هذه المدينة الذي لا زال عالياً يحاول أن يتنفّس، في حين أنّ الجسم بأكمله غارقٌ في لجج التلوّث القاتل، لكن انظر إلى مخططه العام وسترى العجب.
طج! بف! طج! بف! هذه هي تشكيلة مباني دمّر السكنية، وما أبشعها من تشكيلة!
الشيء الوحيد الجميل فيها، هو الكنيسة البسيطة الأنيقة، التي تشترك فيها الطوائف المسيحية على اختلافها، وقد رفعت أسعار البيوت حولها بشكل ملحوظ.
سنسلك الآن طريق الربوة لنعود أدراجنا ونغوص من جديد في زحمة المدينة.
لازالت مقاهي الربوة ومقاصفها موجودة، لكنّها ليست بالحالة نفسها التي تركناها عليها منذ سنين، فأصحاب المقاصف جميعاً استطاعوا إلى الحج سبيلاً، وارتدوا لبوس التقوى والورع، وحولوا مطاعمهم إلى "معالف" (التسمية الدارجة للمطاعم الإسلامية).
المعالف الإسلامية هنا تتوزع على ثلاث فئات:
الأولى: ترى فيها الرجال، والرجال فقط!
الثانية: مقسومة أتوماتيكياً إلى حرملك وسلاملك، والمحصنات الحافظات للغيب، تشكلن نسبة 100% من مجموع النساء الموجودات.
الثالثة: لا تستطيع رؤية ما يحدث فيها خلف الجدران، لكن السيارات المتوقفة بجانبها والتي تحمل بمعظمها لوحات سعودية، وأضواءها الخافتة الحمراء، تفسّر لك كلّ شيء.
كن على ثقة بأنّ الفئات الثلاث حلالٌ بحلال، وكلّها تمثّل الأعراف الأخلاقية لأصحابها بنفس الدرجة
أقدّم لكَ يا عزيزي فندق "الفورسيزنز"... فخمٌ أليس كذلك؟ لا تنظر إليّ هكذا، لن نستطيع المبيت فيه، فعلاوة على أسعاره الكاوية كذلك لن أتخلّى عن مبادئي التي تتضمن كراهيةً لا توصف له.
هذا الفندق، قد اقتحم المنطقة كما اقتحم "غاليفر" أرض الأقزام، فأخلّ بالتوازن البصريّ والحجميّ لمدينتنا المرهقة، وأمام من يا أصحاب المعالي ورؤوس الأموال؟
أمام أيّ أمكنة تجرّأتم وجبلتم كتلتكم القبيحة هذه؟ أمام التكيّة السليمانية التي تستخدم جدرانها كمبولةٍ لحراّسها؟ أم أمام المتحف الوطني الذي تنزّهتم عن تخصيص مبالغ بسيطة جدّاً لإصلاحه وصيانته؟
هل من عاقلٍ في هذا العالم يمكن أن يصدّق أنّكم بنيتم "الفورسيزنز" وبجانبه "روتانا كافيه"، وعلى بعد خطوات منهما، تئنّ آثار الحضارة السوريّة، المتروكة في الهواء الطلق ضمن حديقة المتحف، لتتلاعب بها العناصر المتلفة والعوامل الجوية؟... لتحلّ بكم ألف لعنةٍ ولعنة!
بالمناسبة، ما رأيك بتناول الـ "كوفي" أو الـ"هوت شوكليت" في "روتانا كافيه"؟ لا ترفض بحجة الشفقة على ذوي الأظافر المتسخة الذين يأكلون "الفول النابت" على العرباية تحت جسر الرئيس! ولو... الدنيا مقامات...
لا أنكر أننا لازلنا متمسّكين أشدّ التمسّك بالهدف الثالث من أهدافنا الوطنية والقومية، لكن ما العمل؟ إنّها "روتانا كافيه"!
لنكمل الغناء:
إذا على بَـرَدَى حَـوْرٌ تأهَّل بي
أحسسْتُ أعلامَكِ اختالتْ على الشّهُبِ
ما هو بردى؟... أتجرؤ وتسأل ما هو بردى؟ هذا المجرور العظيم، ألا تتنشّق الرائحة العطرية النفاذة؟ ألا ترى هذه المياه الخضراء التي تجري رقراقة صافيةً؟
إليك عنّي... فأنت لا تعرف بردى! أو امشِ وأنت ساكت، لأننا وصلنا إلى ساحة الأمويين، وسأصلبك في وسطها إن لم تسكت.
إلى أين تريد الذهاب الآن؟ أبو رمانة والمالكي؟ طيب، لكن لا تطلب منّي الجلوس في أحد مطاعمها، فهي ليست صالحةً لفصيلة الفقراء والمحتاجين.
عرفتُ أنّك ستلاحظ هذه الظاهرة الغريبة في الأحياء الثرية، فالأطفال هنا يمشون مع أمهاتٍ قصيراتٍ نحيفاتٍ بشكل مخيف، وعيونهنّ مائلة ضيقة... برافو يا شاطر إنّها سمات العرق الأصفر.
علامَ الاستغراب يا صاحبي؟ هؤلاء النسوة لسنَ أمّهات، إنهنّ خادمات! ويوجد عددٌ لا بأس به منهنّ دون السنّ القانونية للعمل، تستقدمهنّ مكاتب التشغيل، و"تشتريهنّ" عائلات الهاي كلاس للخدمة في البيوت، ورعاية أولادٍ غالباً ما يكونون في أعمارٍ متقاربةٍ معهنّ!
لا تبحلق فيّ هكذا، نحن بلدٌ متخمٌ بالمحبة والسلام، واحترام حقوق الإنسان، فماذا لو تاجرنا قليلاً بلقمة غيرنا؟ لمَ لا نفتحُ المجال أمام تجارة الرّقيق الآسيوي لتزدهر عندنا كما ازدهرت عند سوانا؟ لا تغرنّّك مظاهر الفقر المدقع والبطالة المتفشية، فهذا كلّه "حكي جرايد"، يا أخي كيف سنتابع مسيرتنا التحديثية دون فتيات أندونيسيا والفيليبين وأثيوبيا... خلّيك أب تو ديت يا رجل!
هيا بنا إلى دمّر، فإنّي ألمح في عينيك نهماً لا يوصف لرؤية ما تغيّر فيها.
تستطيع تشبيه دمّر برأس هذه المدينة الذي لا زال عالياً يحاول أن يتنفّس، في حين أنّ الجسم بأكمله غارقٌ في لجج التلوّث القاتل، لكن انظر إلى مخططه العام وسترى العجب.
طج! بف! طج! بف! هذه هي تشكيلة مباني دمّر السكنية، وما أبشعها من تشكيلة!
الشيء الوحيد الجميل فيها، هو الكنيسة البسيطة الأنيقة، التي تشترك فيها الطوائف المسيحية على اختلافها، وقد رفعت أسعار البيوت حولها بشكل ملحوظ.
سنسلك الآن طريق الربوة لنعود أدراجنا ونغوص من جديد في زحمة المدينة.
لازالت مقاهي الربوة ومقاصفها موجودة، لكنّها ليست بالحالة نفسها التي تركناها عليها منذ سنين، فأصحاب المقاصف جميعاً استطاعوا إلى الحج سبيلاً، وارتدوا لبوس التقوى والورع، وحولوا مطاعمهم إلى "معالف" (التسمية الدارجة للمطاعم الإسلامية).
المعالف الإسلامية هنا تتوزع على ثلاث فئات:
الأولى: ترى فيها الرجال، والرجال فقط!
الثانية: مقسومة أتوماتيكياً إلى حرملك وسلاملك، والمحصنات الحافظات للغيب، تشكلن نسبة 100% من مجموع النساء الموجودات.
الثالثة: لا تستطيع رؤية ما يحدث فيها خلف الجدران، لكن السيارات المتوقفة بجانبها والتي تحمل بمعظمها لوحات سعودية، وأضواءها الخافتة الحمراء، تفسّر لك كلّ شيء.
كن على ثقة بأنّ الفئات الثلاث حلالٌ بحلال، وكلّها تمثّل الأعراف الأخلاقية لأصحابها بنفس الدرجة