goodhariri
12-13-2007, 10:30 AM
شهادات أدبية من جائزة نوبل
شهادات أدبية من جائزة نوبل
غابرييل غارسيا ماركيز
عزلة أمريكا اللاتينية المستحيلة
العيش تحت رحمة السيدين العظيمين للعالم
للأديب الكولمبي غابرييل غارسيا ماركيز،"من أجل رواياته وقصصه القصيرة التي يتضافر فيها التخيل المُغرب مع الواقعي في عالم من الخيال مؤلف تأليفا ثريا يعكس حياة قارة وصراعاتها."
إلى الكاتب الكولمبي غابرييل غارسيا ماركيز لا يمكن أن يقال إن الأكاديمية قد قدمت كاتبا مغمورا.
التعريف بالكاتب
نشأته
في بلدة صغيرة من آراكاتاكا، تقع في منطقة مدارية من شمال كولمبيا، بين الجبال والبحر الكاريبي. ونشأ مع جدته لأمه وكان جده عقيدا متقاعدا من الحرب الأهلية في بداية القرن العشرين. وذهب غابرييل غارسيا ماركيز إلى كلية أُرسل إلى روما في مهمة لصحيفته، ومنذ ذلك الحين عاش على الأغلب في خارج بلاده- في باريس، وفي نيويورك، وفي برشلونا، وفي المكسيك- في منفى إجباري نوعا ما. وإلى جانب إنتاجه الكبير من الرواية كتب أيضا مسرحيات للشاشة واستمر في العمل صحافيا.
القاص الموهوب وفنان اللغة
روايته (مئة سنة من العزلة). وترجمت هذه الرواية إلى عدد كبير من لغات العالم وبيع منها ملايين النسخ. وما يزال طبعها مستمرا وما تزال مقروءة باهتمام لا يتضاءل من قراء جدد. ومثل هذا النجاح بكتاب مفرد كان يمكن أن يكون قاتلا لكاتب يمتلك إمكانات أقل مما يمتلك غارسيا ماركيز. ولكن هذا الكاتب أكد بالتدريج موقعه بصفته قاصا نادرا، موهوباً بثراء بمادة يستمدها من الخيال ومن خبرات تبدو وكأنها لا تنضب. ففي السعة الملحمية والثراء الملحمي، على سبيل المثال، يمكن مقارنة روايته "خريف البطريرك" بكل استحسان مع الرواية الأولى المذكورة آنفا. والروايات القصيرة من مثل (لا أحد ، كلها تكمل الصورة لكاتب يجمع بين موهبة السرد الغزيرة الكاسحة تقريبا مع إتقان الوعي المنضبط، وبين فنان واسع القراءة للغة. وهناك عدد كبير من القصص القصيرة نشرت في عدة مجموعات أو في المجلات، تعطي المزيد من البرهان على التنوع العظيم للموهبة السردية لدى غارسيا ماركيز، الذي ارتبط أسلوبه "بالواقعية السحرية". واستمرت نجاحاته العالمية. ففي كل مرة ينُشر فيها عمل جديد له يستقبله النقاد والقراء المنتظرون بصفته حدثا ذا أهمية عالمية، ويتُرجم إلى العديد من اللغات وينشر بأسرع ما يمكن في طبعات ضخمة.
استمرار لأدب أمريكا اللاتينية
وكذلك لا يمكن القول إن قارة أو مقاطعة مغمورة تجلت تحت النور عندما منحت الجائزة إلى غابربيل غارسيا ماركيز، فلوقت طويل مضى أظهر الأدب الأمريكي اللاتيني قوة كما هو الحال في فضاءات أدبية قليلة أخرى، وكسب ذلك الأدب ثناء في الحياة الثقافية اليوم. وفيه تتقاطع العديد من النبضات والتقاليد إحداها مع الأخرى.
تخميرة مُبَهَّرة تبعث الحياة
إن الثقافة الشعبية، وتشمل القص الشفهي، ومعها ذكريات من الثقافة الهندية القديمة، وتيارات من الباروك الأسباني في عصور مختلفة، وتأثيرات من فوق الواقعية (السريالية) الأوروبية والحداثات الأخرى... كلها تختلط في تخميرة مُبَهَّرة تبعث الحياة ويستمد منها غارسيا ماركيز، وكتاب الأسبانية الأمريكيون الآخرون، المادة والإلهام. الكاتب مع من؟
والنزاعات العنيفة ذات الطبيعة السياسية -الاجتماعية والاقتصادية- ترفع حرارة المناخ الفكري. وغارسيا ماركيز، مثله مثل معظم الكتاب المهمين في العالم الأمريكي اللاتيني، كاتب ملتزم، وهو سياسيا، يصطف إلى جانب الفقراء والضعفاء ضد الظلم المحلي وضد الاستغلال الاقتصادي الأجنبي. وإلى جانب إنتاجه الروائي كان نشيطا في عمله صحفيا، وكتاباته متعددة الجوانب، خلاقة، وهي غالبا، مثيرة للجدل، وليست على الإطلاق محدودة بالموضوعات السياسية.
أثر وليام فولكنر وبلزاك
إن الروايات العظيمة تذكر المرء بوليام فولكنر. لقد كوّن غارسيا ماركيز عالما خاصا به حول مدينة ماكوندو الخيالية. فمنذ نهاية الأربعينيات من قادتنا رواياته وقصصه القصيرة إلى هذا المكان الغريب الخاص الذي يتقاطع فيه العجائبي المُعجز مع الواقعي، يتقاطع فيه الطيران المسرف للتخيلات الغرائبية، والحكايات الشعبية التقليدية والحقائق، والأوهام الأدبية، المحسوسة، في بعض الأحيان، والتصويرية المقحمة، والأوصاف التي تقترب من تحقيق صحفي للأمر الواقع. وكما هو الحال مع فولكنر، ولم لا مثل بلزاك، فإن الشخصيات الرئيسية ذاتها والأشخاص الأصغر تبرز في قصص مختلفة، وتتجلى تحت الضوء بطرق متنوعة - أحيانا في مواقف كشافة درامية، وأحيانا في تعقيدات مضحكة وشاذة من نوع لا يمكن أن يحققه إلا الخيال الأجمح، أو الواقع الأقل حياء. إن الهوس الجنوني والعواطف تزعج هذه الشخصيات. إن اللاعقلانية في الحرب تجعل الشجاعة تتبادل الشكل مع الجنون، والعار مع الفروسية، والدهاء مع الجنون.
الموت والفكاهة التصالحية
إن الموت ربما كان أهم مُوجِّه خلف الكواليس في عالم غارسيا ماركيز المُختَرع والمُكتَشف. في الغالب تدور قصصه حول رجل ميت -أحيانا حول من الذي مات، أو من الذي يموت أو من الذي سيموت. إن إحساسا مأساويا بالحياة يميز كتب غارسيا ماركيز- إحساس بتفوق القدر وتفوق ما هو غير إنساني، وتفوق نوائب التاريخ التي لا ترحم تفوقا لا يفسد ولا يخطئ. ولكن هذا الوعي للموت والإحساس المأساوي بالحياة ينكسر بحيوية السرد الظاهرة غير المحدودة، البسيطة، التي هي بدورها حيوية ممثلة لقوة الواقع الحيوية ولقوة الحياة ذاتها التي هي مخيفة ومُعلِّمة في الوقت نفسه. إن المسرحية الهزلية وشذوذ المظهر الغريب لدى غارسيا ماركيز يمكن أن يكونا قاسيين، ولكنهما يستطيعان أيضا أن ينزلقا إلى فكاهة تصالحية.القتل والولادة
غابربيل غارسيا بقصصه أوجد عالما خاصا به وهو عالم دقيق. وهو بصخبه، وإرباكه، ومع ذلك، بأصالته المقنعة الحية المصورة، يعكس حياة قارة ويعكس الثروات الإنسانية لهذه القارة كما يعكس فقرها وربما يعكس أكثر من ذلك: يعكس عالماً دقيقا فجّر فيه القلب الإنساني، وقوى التاريخ المتضافرة، مرة بعد مرة، حدود الفوضى -القتل والولادة.
من كتبه:
عاصفة الأوراق وقصص أخرى.
لا أحد يكتب إلى العقيد.
ساعة شر.
جنازة الأم الكبيرة.
مئة سنة من العزلة.
إيرينديرا البريئة وقصص أخرى.
خريف البطريرك.
تدوين تاريخ سجل موت مُتَكهن.
قصص مجموعة.
الحب في زمان الكوليرا.
تنديد بالحب ضد رجل مقعد (مسرحية).
روايات (مجموعة).
الجنرال في متاهته.
@ @
وهذا نص محاضرته مع بعض التنسيق فقط:
عزلة أمريكا اللاتينية
مخلوقات عجيبة والمرآة المرعبة
أنطونيو بيغافيتا، وهو ملاح من فلورنسا ذهب مع ماجلان في أول رحلة له حول العالم، كتب عند مروره عبر أراضينا الجنوبية من أمريكا وصفا دقيقا دقة صادقة ولكنه مع ذلك يشبه مغامرة في غرائب الخيال. وفي ذلك الوصف سجل ذلك الملاح أنه رأى خنازير لها سرة في خاصرتها، وطيورا بدون مخالب كانت دجاجاتها تضع بيوضها على ظهور أزواجها، ورأى طيورا أخرى كذلك تشبه طيور بجع بلا ألسنة، ولها مناقير مثل الملاعق. وكتب عن انه رأى مخلوقا هجيناً له رأس البغل وأذناه، وجسم الجمل، وقوائم الأيّل، وصهيل الحصان. ووصف ذلك الملاح كيف أن أول مواطن أصلي قابلهم في باتاغونيا واجهوه بمرآة، وعندئذ فقدَ ذلك العملاق المنفعل بالعاطفة والحماسة صوابه رعبا من صورته الخاصة هو في المرآة.
الألدورادو، وينبوع الشباب الخالد
هذا الكتاب الصغير الخلاب، الذي احتوى أكثر من غيره حتى في ذلك الوقت على بذور رواياتنا في الوقت الراهن، ليس هو بتاتا أكثر الأوصاف المذهلة التي وصفت واقعنا في ذلك العصر. فسجلات الأنديز تركت لنا أوصافاً أخرى لا تحصى. والألدورادو، وهي أرضنا الخُلَّب الخادعة التي التُمست وبُحث عنها بجشع كبير، ظهرت على العديد من الخرائط للعديد من السنوات الطويلة، ناقلة مكانها وشكلها لتناسب خيال راسمي المصورات الجغرافية. وفي بحثه عن ينبوع الشباب الخالد، استكشف الأسطوري الفار نونييز كابيزا دو فاكا شمال المكسيك لثماني سنوات، في حملة خادعة مضللة افترس أعضاؤها أحدهم الآخر ولم يعد من الحملة إلا خمسة من أصل ستمائة نسمة انطلقوا فيها. وأحد الأسرار العديدة التي لا يسبر غورها لذلك العصر هو سر الأحد عشر ألف بغل التي كان كل واحد منها محملا بمائة جنيه من الذهب، والتي غادرت كيوزكو في أحد الأيام لدفع فدية آتاهيوألبا ولم تصل أبدا إلى مستقرها المقصود.
دجاج الذهب، والسكة الذهبية
وتلا ذلك في الأزمنة الاستعمارية، أن دجاجات بيعت في كارطجينا دو إندياس لأنها ربيت في أرض غرينية وتحتوي حوصلاتها على كتل صغيرة من الذهب. وجشع أحد المؤسسين ونهمه للذهب يحاصرنا حتى وقت قريب. فحتى وقت متأخر في القرن الماضي توصلت بعثة المانية، كانت قد عُينت لدراسة إنشاء طريق سكة حديدية بين المحيطات عبر مضيق بناما، إلى أن المشروع كان اقتصاديا بشرط واحد، وهو أن لا تكون قضبان السكة الحديدية مصنوعة من الحديد، لأن الحديد كان نادرا في المنطقة، وإنما تكون مصنوعة من ذهب.
عجائب الجنرالات
استقلالنا عن الهيمنة الأسبانية لم يضعنا خارج حدود مدى الجنون. فالجنرال أنطونيو لوبيز دو سانتانا، وهو ديكاتور فوق المكسيك لثلاث مرات، أقام جنازة رائعة لساقه اليمنى التي فقدها فيما يسمى حرب المعجنات. والجنرال غابرييل غارسيا مورينو حكم الاكوادور لمدة ستة عشر عاما بصفته ملكا مطلقا، وعند السهر على جثته قبل الدفن أجلست الجثة على كرسي الرياسة، وزخرفت باللباس الرسمي الكامل مع طبقة واقية من الأوسمة. والجنرال ماكسيمليانو هيرنانديز مارتينيز، وهو مستبد السلفادور المتصوف الذي قتل ثلاثين ألف فلاح في مجزرة وحشية، اخترع بندولا لكشف السم في طعامه، وأمر بتغطية مصابيح الشوارع بالورق الأحمر لقهر وباء الحمى القرمزية. وتمثال الجنرال فرانسيسكو موراز المقام في الميدان الرئيسي في تغيوسيغالبا هو فعلا تمثال المارشال ني، تم شراؤه في باريس من منحوتات تماثيل مستعملة.
جرائم الجنرالات
قبل أحد عشر عاما، قام التشيلي بابلو نيرودا، وهو واحد من الشعراء البارزين في زماننا، بتنوير هذا الجمهور بكلمته. ومنذ ذلك الوقت أصيب الأوروبيون ذوو النوايا الحسنة - وأحيانا ذوو النوايا السيئة أيضا- بالصدمة، بقوة أكبر لم تسبق من قبل، بالأخبار التي تقشعر لها الأبدان القادمة من أمريكا اللاتينية، ذلك المجال الذي لا حد له من الرجال المسكونين بالمخاوف والنساء التاريخيات والذين يختلط عنادهم اللامحدود بالأسطورة. لم ننعم بلحظة واحدة من الراحة. فرئيس بروميثي، تخندق في قصره المحترق، ومات وهو يقاتل جيشا كاملا وحده، وحادثتا طائرتين موضع الشكوك، ينبغي حتى الآن أن تفسرا، وقد قصرتا حياة رئيس آخر عظيم القلب وحياة جندي ديمقراطي قد أنعش كرامة شعبه. لقد وقعت خمسة حروب وسبعة عشر انقلابا عسكريا، وبرز هنالك مستبد شيطاني كان ينفذ، باسم الله، أول إبادة جنس في أمريكا اللاتينية في .
الذين فُقدوا!
ويبلغ عدد الذين فقدوا نتيجة القمع ما يقترب من مائة وعشرين ألف نسمة، وهو عدد يعني كما لو أن أحدا لا يستطيع أن يعلل اختفاء كل سكان أبسالا. والعديد من النساء اعتقلن وهن حوامل وولدن في سجون الأرجنتين، ومع ذلك فما من أحد يعرف مكان وهوية أطفالهن الذين تم تبنيهم خفية أو أرسلوا إلى ميتم بأمر من السلطات العسكرية. وبسبب أنهم حاولوا أن يغيروا هذه الحالة من الأمور فإن ما يقارب مائتي ألف رجل وامرأة ماتوا عبر القارة، وأكثر من مائة ألف فقدوا حياتهم في ثلاثة بلدان صغيرة وسيئة الطالع في أمريكا اللاتينية: نيكاراغوا، والسلفادور، وغواتيمالا. ولو أن هذا حدث في الولايات المتحدة لكان الرقم المقابل له هو مليون وستمائة ألف حالة موت عنيف في أربع سنوات.
الذين هربوا!
هرب من تشيلي مليون نسمة، وهي بلد معروفة بتقاليد الضيافة الكريمة أي إن ذلك يبلغ عشرة بالمئة من السكان. وأوروغواي، وهي أمة صغيرة يبلغ السكان فيها مليونين ونصف مليون نسمة، وتعتبر نفسها أكثر بلاد القارة تمدنا، فقدت إلى المنفى مواطنا من كل خمسة مواطنين. أنتجت الحرب الأهلية في السلفادور تقريبا لاجئا واحدا كل عشرين دقيقة. والبلد التي يمكن أن تتشكل من كل المنفيين والمجبرين على الهجرة من أمريكا اللاتينية سيكون فيها من السكان ما هو أكبر من سكان النرويج.
إبداع مُترع بالحزن والجمال
وأجرؤ على الظن بأن هذا الواقع الأكبر من العادي، وليس مجرد تعبيرها الأدبي، هو الذي استحق انتباه الأكاديمية السويدية للآداب. واقع ليس من ورق، ولكنه واقع يعيش داخلنا ويقرر كل لمحة من لمحات موتانا الذين لا يحصى عددهم يوميا، واقع يغذي مصدراً من الإبداع الذي لا يشبع والمترع بالحزن والجمال، ومن هذا الواقع، ليس هذا الكولومبي الجوال المشتاق للماضي بمرارة وحنين جارف أكثر من رقم آخر، اختصه الحظ. شعراء وشحاذون، موسيقيون متنبئون، محاربون وأوغاد، كل المخلوقات من ذلك الواقع الذي لا يكبح جماحه، ما كان علينا إلا أن نطلب قليلا من الخيال، لأن مشكلتنا الحرجة كانت نقصاً في الوسائل التقليدية لجعل حياتنا قابلة للتصديق. هذا، أيها الأصدقاء، هو ذروة عزلتنا.
البحث عن هويتنا
وإذا كانت هذه الصعوبات، التي نتقاسم جوهرها، تعيقنا، فإن من المفهوم أن المواهب العقلانية في هذا الجانب من العالم، وهي المواهب الممجدة في تفكير ثقافاتها الخاصة، لابد أنها وجدت نفسها بدون وسائل صالحة لتفسيرنا. والأمر الطبيعي هو انهم يصرون على قياسنا بالمقياس ذاته الذي يستخدمونه لأنفسهم، ناسين أن نوائب الحياة ليست هي ذاتها للجميع، وأن البحث عن هويتنا الخاصة بنا هو بحث شاق ودموي لنا مثلما كان لهم بالضبط. إن تفسير واقعنا من خلال أنماط ليست هي أنماطنا الخاصة لا يخدم إلا في جعلنا مجهولين أكثر من قبل، وأقل حرية أكثر من قبل، وأكثر عزلة أكثر من قبل. ربما ينبغي على أوروبا الموقرة أن تكون أكثر تبصرا إذا ما حاولت أن ترانا في ماضيها الخاص بها. وإذا ما تذكرت فقط أن لندن استغرقت ثلاثمائة سنة لتبني لها أول سور للمدينة، واستغرقت ثلاثمائة سنة أخرى ليكون لها أُسقف، وأن روما عملت في ظلمة اللايقين لمدة عشرين قرنا، حتى أرساها ملك اتروسكاني في التاريخ، وأن السويسريين المسالمين اليوم الذين يولمون لنا بأجبانهم اللطيفة وساعاتهم اللامبالية سبق لهم أن أدموا أوروبا بصفتهم جنوداً مرتزقة حتى وقت متأخر من القرن السادس عشر. وحتى في ذروة النهضة، فإن اثني عشر ألف جندي كانوا على لوائح الدفع لدى الجيوش الإمبراطورية نهبوا ودمروا روما ووضعوا ثمانية آلاف من سكانها تحت السيف.
غيروا رؤيتكم لنا
لا أعني أن أجسد أوهام طونيو كروجر صاحب الأحلام بتوحيد شمال عفيف مع جنوب عاطفي، وهي الأحلام التي مجدها هنا منذ ثلاثة وخمسين عاما، توماس مان. ولكني أعتقد فعلا أن أولئك الأوروبيين الذين يتحلون بالرؤية الواضحة ويناضلون هنا كذلك، من أجل وطن أعدل وأكثر إنسانية، يستطيعون مساعدتنا بشكل أفضل بكثير إذا ما أعادوا النظر في طريقة رؤيتهم لنا. التضامن مع أحلامنا لن يجعلنا نشعر بأننا أقل عزلة وتوحداً، ما دام التضامن لم يترجم إلى أفعال محسوسة من الدعم الشرعي لكل الشعوب التي تفترض الوهم بأنها تملك حياة خاصة بها في توزيع العالم.
أصالة الأدب، وأصالة العدالة
إن أمريكا اللاتينية لا تريد أن تكون، ولا هي تملك أي سبب، لتكون مخلبا بدون إرادة تخصها هي، ولا هو مجرد تفكير نتمنى حدوثه بأن بحثها عن الاستقلال والأصالة ينبغي أن يصير طموحا غربيا. ومع ذلك، فإن التقدم في الملاحة وهو الذي ضيق مثل هذه المسافات بين أمريكيتينا وبين أوروبا يبدو، على عكس المتوقع، أنه أكد ابتعادنا الثقافي وإلا، فلماذا مُنحت لنا الأصالة في الأدب على هذا النحو من السهولة، ومُنعت عنا على هذا النحو من عدم الثقة في محاولاتنا الصعبة في التغيير الاجتماعي؟! لماذا التفكير بأن العدالة الاجتماعية التي ينشدها التقدميون الأوروبيون لبلادهم لا يمكن أيضا أن تكون غاية تنشدها أمريكا اللاتينية، بمناهج مختلفة ولظروف مغايرة لا تشبه الظروف الأوروبية؟ لا، إن العنف والألم اللذين لا يتناهيان في تاريخنا هما نتيجة مظالم عدم الإنصاف القديمة والمرارة التي تفوق الحصر، وليست مؤامرة خُطط لها من بعد ثلاثة آلاف فرسخ عن وطننا. ولكن العديد من القادة والمفكرين الأوروبيين ظنوا ذلك، مع طفولية أهل الخبرة الذين نسوا الإفراط المثمر لشبابهم وكأنه كان مستحيلا إيجاد قدر آخر غير أن نعيش تحت رحمة السيدين العظيمين للعالم. هذا يا أصدقائي، هو مدى عزلتنا.
قوى الحياة وقوى التدمير
على الرغم من هذا، فإننا نجيب على القهر، والنهب، والإهمال بالاستمرار بالحياة. فلا الفيضانات ولا الأوبئة ولا المجاعات ولا الكوارث، ولا حتى الحروب الخالدة قرناً بعد قرن، كانت كلها قادرة على أن تخُضع الميزة المستمرة الدؤوبة للحياة على الموت. وهي ميزة تنمو وتتسارع: ففي كل ) أربعة وسبعون مليوناً من الولادات أكثر من الوفيات، وهو عدد كافٍ من الحيوات الجديدة للتكاثر، ففي كل عام يبقى عدد يساوي عدد سكان نيويورك سبع مرات. ومعظم هذه الولادات تأتي في البلدان الأقل مواردَ وتشمل، طبعا، بلدان أمريكا اللاتينية. وعلى نحو معاكس، فإن أكثر البلدان رفاهية قد نجحت في مراكمة قوى التدمير الكافية لكي تُفني، مئات المرات تلو المرات، ليس فقط كل بني البشر الذين وجدوا حتى هذا اليوم، بل لكي تفُني أيضاً كل المخلوقات الحية التي سبق أن تنسمت أنفاسها على هذا الكوكب النكد الطالع.
طوبى للحياة
في يوم مثل هذا اليوم، قال أستاذي وليام فولكنر: "أنا أرفض أن أقبل نهاية الإنسان." لا أكون مستحقاً أن أقف في هذا المكان الذي وقف فيه، إذا لم أكن واعيا وعيا كاملا بأن المأساة الهائلة الضخامة التي رفض أن يعترف بها منذ اثنين وثلاثين عاما هي الآن، لأول مرة منذ بداية الإنسانية، ليست أكثر من إمكانية علمية بسيطة. وبعد أن وُوجهنا بهذا الواقع الرهيب الذي لا بد أنه كان يبدو مجرد طوباوية طوال كل الأزمنة الإنسانية، فإننا نحن، مبدعي القصص، الذين سيصدقون أي شيء، نشعر بأننا مخولون أن نصدق بأن الوقت ليس متأخرا حتى الآن للانغماس في خلق طوباوية مناقضة. طوباوية جديدة وكاسحة من أجل الحياة، حيث لن يكون أحد قادرا على أن يقرر للآخرين كيف يموتون، وحيث سيثبت الحب أنه حقيقي، وأن السعادة ممكنة، وحيث سيكون للأعراق التي حكم عليها، مئة سنة من العزلة، أخيراً وإلى الأبد، فرصة ثانية على الأرض.
شهادات أدبية من جائزة نوبل
غابرييل غارسيا ماركيز
عزلة أمريكا اللاتينية المستحيلة
العيش تحت رحمة السيدين العظيمين للعالم
للأديب الكولمبي غابرييل غارسيا ماركيز،"من أجل رواياته وقصصه القصيرة التي يتضافر فيها التخيل المُغرب مع الواقعي في عالم من الخيال مؤلف تأليفا ثريا يعكس حياة قارة وصراعاتها."
إلى الكاتب الكولمبي غابرييل غارسيا ماركيز لا يمكن أن يقال إن الأكاديمية قد قدمت كاتبا مغمورا.
التعريف بالكاتب
نشأته
في بلدة صغيرة من آراكاتاكا، تقع في منطقة مدارية من شمال كولمبيا، بين الجبال والبحر الكاريبي. ونشأ مع جدته لأمه وكان جده عقيدا متقاعدا من الحرب الأهلية في بداية القرن العشرين. وذهب غابرييل غارسيا ماركيز إلى كلية أُرسل إلى روما في مهمة لصحيفته، ومنذ ذلك الحين عاش على الأغلب في خارج بلاده- في باريس، وفي نيويورك، وفي برشلونا، وفي المكسيك- في منفى إجباري نوعا ما. وإلى جانب إنتاجه الكبير من الرواية كتب أيضا مسرحيات للشاشة واستمر في العمل صحافيا.
القاص الموهوب وفنان اللغة
روايته (مئة سنة من العزلة). وترجمت هذه الرواية إلى عدد كبير من لغات العالم وبيع منها ملايين النسخ. وما يزال طبعها مستمرا وما تزال مقروءة باهتمام لا يتضاءل من قراء جدد. ومثل هذا النجاح بكتاب مفرد كان يمكن أن يكون قاتلا لكاتب يمتلك إمكانات أقل مما يمتلك غارسيا ماركيز. ولكن هذا الكاتب أكد بالتدريج موقعه بصفته قاصا نادرا، موهوباً بثراء بمادة يستمدها من الخيال ومن خبرات تبدو وكأنها لا تنضب. ففي السعة الملحمية والثراء الملحمي، على سبيل المثال، يمكن مقارنة روايته "خريف البطريرك" بكل استحسان مع الرواية الأولى المذكورة آنفا. والروايات القصيرة من مثل (لا أحد ، كلها تكمل الصورة لكاتب يجمع بين موهبة السرد الغزيرة الكاسحة تقريبا مع إتقان الوعي المنضبط، وبين فنان واسع القراءة للغة. وهناك عدد كبير من القصص القصيرة نشرت في عدة مجموعات أو في المجلات، تعطي المزيد من البرهان على التنوع العظيم للموهبة السردية لدى غارسيا ماركيز، الذي ارتبط أسلوبه "بالواقعية السحرية". واستمرت نجاحاته العالمية. ففي كل مرة ينُشر فيها عمل جديد له يستقبله النقاد والقراء المنتظرون بصفته حدثا ذا أهمية عالمية، ويتُرجم إلى العديد من اللغات وينشر بأسرع ما يمكن في طبعات ضخمة.
استمرار لأدب أمريكا اللاتينية
وكذلك لا يمكن القول إن قارة أو مقاطعة مغمورة تجلت تحت النور عندما منحت الجائزة إلى غابربيل غارسيا ماركيز، فلوقت طويل مضى أظهر الأدب الأمريكي اللاتيني قوة كما هو الحال في فضاءات أدبية قليلة أخرى، وكسب ذلك الأدب ثناء في الحياة الثقافية اليوم. وفيه تتقاطع العديد من النبضات والتقاليد إحداها مع الأخرى.
تخميرة مُبَهَّرة تبعث الحياة
إن الثقافة الشعبية، وتشمل القص الشفهي، ومعها ذكريات من الثقافة الهندية القديمة، وتيارات من الباروك الأسباني في عصور مختلفة، وتأثيرات من فوق الواقعية (السريالية) الأوروبية والحداثات الأخرى... كلها تختلط في تخميرة مُبَهَّرة تبعث الحياة ويستمد منها غارسيا ماركيز، وكتاب الأسبانية الأمريكيون الآخرون، المادة والإلهام. الكاتب مع من؟
والنزاعات العنيفة ذات الطبيعة السياسية -الاجتماعية والاقتصادية- ترفع حرارة المناخ الفكري. وغارسيا ماركيز، مثله مثل معظم الكتاب المهمين في العالم الأمريكي اللاتيني، كاتب ملتزم، وهو سياسيا، يصطف إلى جانب الفقراء والضعفاء ضد الظلم المحلي وضد الاستغلال الاقتصادي الأجنبي. وإلى جانب إنتاجه الروائي كان نشيطا في عمله صحفيا، وكتاباته متعددة الجوانب، خلاقة، وهي غالبا، مثيرة للجدل، وليست على الإطلاق محدودة بالموضوعات السياسية.
أثر وليام فولكنر وبلزاك
إن الروايات العظيمة تذكر المرء بوليام فولكنر. لقد كوّن غارسيا ماركيز عالما خاصا به حول مدينة ماكوندو الخيالية. فمنذ نهاية الأربعينيات من قادتنا رواياته وقصصه القصيرة إلى هذا المكان الغريب الخاص الذي يتقاطع فيه العجائبي المُعجز مع الواقعي، يتقاطع فيه الطيران المسرف للتخيلات الغرائبية، والحكايات الشعبية التقليدية والحقائق، والأوهام الأدبية، المحسوسة، في بعض الأحيان، والتصويرية المقحمة، والأوصاف التي تقترب من تحقيق صحفي للأمر الواقع. وكما هو الحال مع فولكنر، ولم لا مثل بلزاك، فإن الشخصيات الرئيسية ذاتها والأشخاص الأصغر تبرز في قصص مختلفة، وتتجلى تحت الضوء بطرق متنوعة - أحيانا في مواقف كشافة درامية، وأحيانا في تعقيدات مضحكة وشاذة من نوع لا يمكن أن يحققه إلا الخيال الأجمح، أو الواقع الأقل حياء. إن الهوس الجنوني والعواطف تزعج هذه الشخصيات. إن اللاعقلانية في الحرب تجعل الشجاعة تتبادل الشكل مع الجنون، والعار مع الفروسية، والدهاء مع الجنون.
الموت والفكاهة التصالحية
إن الموت ربما كان أهم مُوجِّه خلف الكواليس في عالم غارسيا ماركيز المُختَرع والمُكتَشف. في الغالب تدور قصصه حول رجل ميت -أحيانا حول من الذي مات، أو من الذي يموت أو من الذي سيموت. إن إحساسا مأساويا بالحياة يميز كتب غارسيا ماركيز- إحساس بتفوق القدر وتفوق ما هو غير إنساني، وتفوق نوائب التاريخ التي لا ترحم تفوقا لا يفسد ولا يخطئ. ولكن هذا الوعي للموت والإحساس المأساوي بالحياة ينكسر بحيوية السرد الظاهرة غير المحدودة، البسيطة، التي هي بدورها حيوية ممثلة لقوة الواقع الحيوية ولقوة الحياة ذاتها التي هي مخيفة ومُعلِّمة في الوقت نفسه. إن المسرحية الهزلية وشذوذ المظهر الغريب لدى غارسيا ماركيز يمكن أن يكونا قاسيين، ولكنهما يستطيعان أيضا أن ينزلقا إلى فكاهة تصالحية.القتل والولادة
غابربيل غارسيا بقصصه أوجد عالما خاصا به وهو عالم دقيق. وهو بصخبه، وإرباكه، ومع ذلك، بأصالته المقنعة الحية المصورة، يعكس حياة قارة ويعكس الثروات الإنسانية لهذه القارة كما يعكس فقرها وربما يعكس أكثر من ذلك: يعكس عالماً دقيقا فجّر فيه القلب الإنساني، وقوى التاريخ المتضافرة، مرة بعد مرة، حدود الفوضى -القتل والولادة.
من كتبه:
عاصفة الأوراق وقصص أخرى.
لا أحد يكتب إلى العقيد.
ساعة شر.
جنازة الأم الكبيرة.
مئة سنة من العزلة.
إيرينديرا البريئة وقصص أخرى.
خريف البطريرك.
تدوين تاريخ سجل موت مُتَكهن.
قصص مجموعة.
الحب في زمان الكوليرا.
تنديد بالحب ضد رجل مقعد (مسرحية).
روايات (مجموعة).
الجنرال في متاهته.
@ @
وهذا نص محاضرته مع بعض التنسيق فقط:
عزلة أمريكا اللاتينية
مخلوقات عجيبة والمرآة المرعبة
أنطونيو بيغافيتا، وهو ملاح من فلورنسا ذهب مع ماجلان في أول رحلة له حول العالم، كتب عند مروره عبر أراضينا الجنوبية من أمريكا وصفا دقيقا دقة صادقة ولكنه مع ذلك يشبه مغامرة في غرائب الخيال. وفي ذلك الوصف سجل ذلك الملاح أنه رأى خنازير لها سرة في خاصرتها، وطيورا بدون مخالب كانت دجاجاتها تضع بيوضها على ظهور أزواجها، ورأى طيورا أخرى كذلك تشبه طيور بجع بلا ألسنة، ولها مناقير مثل الملاعق. وكتب عن انه رأى مخلوقا هجيناً له رأس البغل وأذناه، وجسم الجمل، وقوائم الأيّل، وصهيل الحصان. ووصف ذلك الملاح كيف أن أول مواطن أصلي قابلهم في باتاغونيا واجهوه بمرآة، وعندئذ فقدَ ذلك العملاق المنفعل بالعاطفة والحماسة صوابه رعبا من صورته الخاصة هو في المرآة.
الألدورادو، وينبوع الشباب الخالد
هذا الكتاب الصغير الخلاب، الذي احتوى أكثر من غيره حتى في ذلك الوقت على بذور رواياتنا في الوقت الراهن، ليس هو بتاتا أكثر الأوصاف المذهلة التي وصفت واقعنا في ذلك العصر. فسجلات الأنديز تركت لنا أوصافاً أخرى لا تحصى. والألدورادو، وهي أرضنا الخُلَّب الخادعة التي التُمست وبُحث عنها بجشع كبير، ظهرت على العديد من الخرائط للعديد من السنوات الطويلة، ناقلة مكانها وشكلها لتناسب خيال راسمي المصورات الجغرافية. وفي بحثه عن ينبوع الشباب الخالد، استكشف الأسطوري الفار نونييز كابيزا دو فاكا شمال المكسيك لثماني سنوات، في حملة خادعة مضللة افترس أعضاؤها أحدهم الآخر ولم يعد من الحملة إلا خمسة من أصل ستمائة نسمة انطلقوا فيها. وأحد الأسرار العديدة التي لا يسبر غورها لذلك العصر هو سر الأحد عشر ألف بغل التي كان كل واحد منها محملا بمائة جنيه من الذهب، والتي غادرت كيوزكو في أحد الأيام لدفع فدية آتاهيوألبا ولم تصل أبدا إلى مستقرها المقصود.
دجاج الذهب، والسكة الذهبية
وتلا ذلك في الأزمنة الاستعمارية، أن دجاجات بيعت في كارطجينا دو إندياس لأنها ربيت في أرض غرينية وتحتوي حوصلاتها على كتل صغيرة من الذهب. وجشع أحد المؤسسين ونهمه للذهب يحاصرنا حتى وقت قريب. فحتى وقت متأخر في القرن الماضي توصلت بعثة المانية، كانت قد عُينت لدراسة إنشاء طريق سكة حديدية بين المحيطات عبر مضيق بناما، إلى أن المشروع كان اقتصاديا بشرط واحد، وهو أن لا تكون قضبان السكة الحديدية مصنوعة من الحديد، لأن الحديد كان نادرا في المنطقة، وإنما تكون مصنوعة من ذهب.
عجائب الجنرالات
استقلالنا عن الهيمنة الأسبانية لم يضعنا خارج حدود مدى الجنون. فالجنرال أنطونيو لوبيز دو سانتانا، وهو ديكاتور فوق المكسيك لثلاث مرات، أقام جنازة رائعة لساقه اليمنى التي فقدها فيما يسمى حرب المعجنات. والجنرال غابرييل غارسيا مورينو حكم الاكوادور لمدة ستة عشر عاما بصفته ملكا مطلقا، وعند السهر على جثته قبل الدفن أجلست الجثة على كرسي الرياسة، وزخرفت باللباس الرسمي الكامل مع طبقة واقية من الأوسمة. والجنرال ماكسيمليانو هيرنانديز مارتينيز، وهو مستبد السلفادور المتصوف الذي قتل ثلاثين ألف فلاح في مجزرة وحشية، اخترع بندولا لكشف السم في طعامه، وأمر بتغطية مصابيح الشوارع بالورق الأحمر لقهر وباء الحمى القرمزية. وتمثال الجنرال فرانسيسكو موراز المقام في الميدان الرئيسي في تغيوسيغالبا هو فعلا تمثال المارشال ني، تم شراؤه في باريس من منحوتات تماثيل مستعملة.
جرائم الجنرالات
قبل أحد عشر عاما، قام التشيلي بابلو نيرودا، وهو واحد من الشعراء البارزين في زماننا، بتنوير هذا الجمهور بكلمته. ومنذ ذلك الوقت أصيب الأوروبيون ذوو النوايا الحسنة - وأحيانا ذوو النوايا السيئة أيضا- بالصدمة، بقوة أكبر لم تسبق من قبل، بالأخبار التي تقشعر لها الأبدان القادمة من أمريكا اللاتينية، ذلك المجال الذي لا حد له من الرجال المسكونين بالمخاوف والنساء التاريخيات والذين يختلط عنادهم اللامحدود بالأسطورة. لم ننعم بلحظة واحدة من الراحة. فرئيس بروميثي، تخندق في قصره المحترق، ومات وهو يقاتل جيشا كاملا وحده، وحادثتا طائرتين موضع الشكوك، ينبغي حتى الآن أن تفسرا، وقد قصرتا حياة رئيس آخر عظيم القلب وحياة جندي ديمقراطي قد أنعش كرامة شعبه. لقد وقعت خمسة حروب وسبعة عشر انقلابا عسكريا، وبرز هنالك مستبد شيطاني كان ينفذ، باسم الله، أول إبادة جنس في أمريكا اللاتينية في .
الذين فُقدوا!
ويبلغ عدد الذين فقدوا نتيجة القمع ما يقترب من مائة وعشرين ألف نسمة، وهو عدد يعني كما لو أن أحدا لا يستطيع أن يعلل اختفاء كل سكان أبسالا. والعديد من النساء اعتقلن وهن حوامل وولدن في سجون الأرجنتين، ومع ذلك فما من أحد يعرف مكان وهوية أطفالهن الذين تم تبنيهم خفية أو أرسلوا إلى ميتم بأمر من السلطات العسكرية. وبسبب أنهم حاولوا أن يغيروا هذه الحالة من الأمور فإن ما يقارب مائتي ألف رجل وامرأة ماتوا عبر القارة، وأكثر من مائة ألف فقدوا حياتهم في ثلاثة بلدان صغيرة وسيئة الطالع في أمريكا اللاتينية: نيكاراغوا، والسلفادور، وغواتيمالا. ولو أن هذا حدث في الولايات المتحدة لكان الرقم المقابل له هو مليون وستمائة ألف حالة موت عنيف في أربع سنوات.
الذين هربوا!
هرب من تشيلي مليون نسمة، وهي بلد معروفة بتقاليد الضيافة الكريمة أي إن ذلك يبلغ عشرة بالمئة من السكان. وأوروغواي، وهي أمة صغيرة يبلغ السكان فيها مليونين ونصف مليون نسمة، وتعتبر نفسها أكثر بلاد القارة تمدنا، فقدت إلى المنفى مواطنا من كل خمسة مواطنين. أنتجت الحرب الأهلية في السلفادور تقريبا لاجئا واحدا كل عشرين دقيقة. والبلد التي يمكن أن تتشكل من كل المنفيين والمجبرين على الهجرة من أمريكا اللاتينية سيكون فيها من السكان ما هو أكبر من سكان النرويج.
إبداع مُترع بالحزن والجمال
وأجرؤ على الظن بأن هذا الواقع الأكبر من العادي، وليس مجرد تعبيرها الأدبي، هو الذي استحق انتباه الأكاديمية السويدية للآداب. واقع ليس من ورق، ولكنه واقع يعيش داخلنا ويقرر كل لمحة من لمحات موتانا الذين لا يحصى عددهم يوميا، واقع يغذي مصدراً من الإبداع الذي لا يشبع والمترع بالحزن والجمال، ومن هذا الواقع، ليس هذا الكولومبي الجوال المشتاق للماضي بمرارة وحنين جارف أكثر من رقم آخر، اختصه الحظ. شعراء وشحاذون، موسيقيون متنبئون، محاربون وأوغاد، كل المخلوقات من ذلك الواقع الذي لا يكبح جماحه، ما كان علينا إلا أن نطلب قليلا من الخيال، لأن مشكلتنا الحرجة كانت نقصاً في الوسائل التقليدية لجعل حياتنا قابلة للتصديق. هذا، أيها الأصدقاء، هو ذروة عزلتنا.
البحث عن هويتنا
وإذا كانت هذه الصعوبات، التي نتقاسم جوهرها، تعيقنا، فإن من المفهوم أن المواهب العقلانية في هذا الجانب من العالم، وهي المواهب الممجدة في تفكير ثقافاتها الخاصة، لابد أنها وجدت نفسها بدون وسائل صالحة لتفسيرنا. والأمر الطبيعي هو انهم يصرون على قياسنا بالمقياس ذاته الذي يستخدمونه لأنفسهم، ناسين أن نوائب الحياة ليست هي ذاتها للجميع، وأن البحث عن هويتنا الخاصة بنا هو بحث شاق ودموي لنا مثلما كان لهم بالضبط. إن تفسير واقعنا من خلال أنماط ليست هي أنماطنا الخاصة لا يخدم إلا في جعلنا مجهولين أكثر من قبل، وأقل حرية أكثر من قبل، وأكثر عزلة أكثر من قبل. ربما ينبغي على أوروبا الموقرة أن تكون أكثر تبصرا إذا ما حاولت أن ترانا في ماضيها الخاص بها. وإذا ما تذكرت فقط أن لندن استغرقت ثلاثمائة سنة لتبني لها أول سور للمدينة، واستغرقت ثلاثمائة سنة أخرى ليكون لها أُسقف، وأن روما عملت في ظلمة اللايقين لمدة عشرين قرنا، حتى أرساها ملك اتروسكاني في التاريخ، وأن السويسريين المسالمين اليوم الذين يولمون لنا بأجبانهم اللطيفة وساعاتهم اللامبالية سبق لهم أن أدموا أوروبا بصفتهم جنوداً مرتزقة حتى وقت متأخر من القرن السادس عشر. وحتى في ذروة النهضة، فإن اثني عشر ألف جندي كانوا على لوائح الدفع لدى الجيوش الإمبراطورية نهبوا ودمروا روما ووضعوا ثمانية آلاف من سكانها تحت السيف.
غيروا رؤيتكم لنا
لا أعني أن أجسد أوهام طونيو كروجر صاحب الأحلام بتوحيد شمال عفيف مع جنوب عاطفي، وهي الأحلام التي مجدها هنا منذ ثلاثة وخمسين عاما، توماس مان. ولكني أعتقد فعلا أن أولئك الأوروبيين الذين يتحلون بالرؤية الواضحة ويناضلون هنا كذلك، من أجل وطن أعدل وأكثر إنسانية، يستطيعون مساعدتنا بشكل أفضل بكثير إذا ما أعادوا النظر في طريقة رؤيتهم لنا. التضامن مع أحلامنا لن يجعلنا نشعر بأننا أقل عزلة وتوحداً، ما دام التضامن لم يترجم إلى أفعال محسوسة من الدعم الشرعي لكل الشعوب التي تفترض الوهم بأنها تملك حياة خاصة بها في توزيع العالم.
أصالة الأدب، وأصالة العدالة
إن أمريكا اللاتينية لا تريد أن تكون، ولا هي تملك أي سبب، لتكون مخلبا بدون إرادة تخصها هي، ولا هو مجرد تفكير نتمنى حدوثه بأن بحثها عن الاستقلال والأصالة ينبغي أن يصير طموحا غربيا. ومع ذلك، فإن التقدم في الملاحة وهو الذي ضيق مثل هذه المسافات بين أمريكيتينا وبين أوروبا يبدو، على عكس المتوقع، أنه أكد ابتعادنا الثقافي وإلا، فلماذا مُنحت لنا الأصالة في الأدب على هذا النحو من السهولة، ومُنعت عنا على هذا النحو من عدم الثقة في محاولاتنا الصعبة في التغيير الاجتماعي؟! لماذا التفكير بأن العدالة الاجتماعية التي ينشدها التقدميون الأوروبيون لبلادهم لا يمكن أيضا أن تكون غاية تنشدها أمريكا اللاتينية، بمناهج مختلفة ولظروف مغايرة لا تشبه الظروف الأوروبية؟ لا، إن العنف والألم اللذين لا يتناهيان في تاريخنا هما نتيجة مظالم عدم الإنصاف القديمة والمرارة التي تفوق الحصر، وليست مؤامرة خُطط لها من بعد ثلاثة آلاف فرسخ عن وطننا. ولكن العديد من القادة والمفكرين الأوروبيين ظنوا ذلك، مع طفولية أهل الخبرة الذين نسوا الإفراط المثمر لشبابهم وكأنه كان مستحيلا إيجاد قدر آخر غير أن نعيش تحت رحمة السيدين العظيمين للعالم. هذا يا أصدقائي، هو مدى عزلتنا.
قوى الحياة وقوى التدمير
على الرغم من هذا، فإننا نجيب على القهر، والنهب، والإهمال بالاستمرار بالحياة. فلا الفيضانات ولا الأوبئة ولا المجاعات ولا الكوارث، ولا حتى الحروب الخالدة قرناً بعد قرن، كانت كلها قادرة على أن تخُضع الميزة المستمرة الدؤوبة للحياة على الموت. وهي ميزة تنمو وتتسارع: ففي كل ) أربعة وسبعون مليوناً من الولادات أكثر من الوفيات، وهو عدد كافٍ من الحيوات الجديدة للتكاثر، ففي كل عام يبقى عدد يساوي عدد سكان نيويورك سبع مرات. ومعظم هذه الولادات تأتي في البلدان الأقل مواردَ وتشمل، طبعا، بلدان أمريكا اللاتينية. وعلى نحو معاكس، فإن أكثر البلدان رفاهية قد نجحت في مراكمة قوى التدمير الكافية لكي تُفني، مئات المرات تلو المرات، ليس فقط كل بني البشر الذين وجدوا حتى هذا اليوم، بل لكي تفُني أيضاً كل المخلوقات الحية التي سبق أن تنسمت أنفاسها على هذا الكوكب النكد الطالع.
طوبى للحياة
في يوم مثل هذا اليوم، قال أستاذي وليام فولكنر: "أنا أرفض أن أقبل نهاية الإنسان." لا أكون مستحقاً أن أقف في هذا المكان الذي وقف فيه، إذا لم أكن واعيا وعيا كاملا بأن المأساة الهائلة الضخامة التي رفض أن يعترف بها منذ اثنين وثلاثين عاما هي الآن، لأول مرة منذ بداية الإنسانية، ليست أكثر من إمكانية علمية بسيطة. وبعد أن وُوجهنا بهذا الواقع الرهيب الذي لا بد أنه كان يبدو مجرد طوباوية طوال كل الأزمنة الإنسانية، فإننا نحن، مبدعي القصص، الذين سيصدقون أي شيء، نشعر بأننا مخولون أن نصدق بأن الوقت ليس متأخرا حتى الآن للانغماس في خلق طوباوية مناقضة. طوباوية جديدة وكاسحة من أجل الحياة، حيث لن يكون أحد قادرا على أن يقرر للآخرين كيف يموتون، وحيث سيثبت الحب أنه حقيقي، وأن السعادة ممكنة، وحيث سيكون للأعراق التي حكم عليها، مئة سنة من العزلة، أخيراً وإلى الأبد، فرصة ثانية على الأرض.